قصة الابن المجهول

لمحة نيوز


على خده وصاح نعرف أنها هنا! تنح أيها المزارع إنها تخصنا.
خرج نواه إلى الشرفة وهو يحمل بندقيته. وقال بثبات هي لا تخص أحدا. عودوا من حيث أتيتم.
ابتسم الرجل باحتقار وقال ستندم.
وقبل أن يسحب مسدسه أطلق نواه رصاصة تحذيرية مرت بجوار أذنه. تردد الرجال لثوان ثم اندلع الفوضى. أطلق أحدهم النار فتهشم

زجاج النافذة. صرخت السيدة كوبر. انحنت إيفا لتحمي طفلها.
تحرك نواه بثبات ودقة وأطلق النار ليبعد المهاجمين نحو السياج. سقط أحدهم عن حصانه بينما اختبأ آخر خلف عربة. أعاد زعيمهم تعبئة بندقيته وهو يصرخ ستدفع ثمن هذا!
في الداخل وضعت إيفا طفلها في مكان آمن ثم أمسكت المسدس الصغير الذي يحتفظ به نواه في المطبخ. تقدمت نحو النافذة. وحين وجدت الرجل ذو الندبة يوجه سلاحه إلى ظهر نواه أطلقت النار.
دوى صوت الرصاصة في الليل. ترنح الرجل وسقط أرضا.
هرب الرجلان الآخران وقد ملأهما الرعب. اختفت خيولهم في الظلام وبهت صوت حوافرهم شيئا فشيئا.
دار نواه نحو إيفا وهو مذهول. كانت ترتجف والدخان يتصاعد من فوهة المسدس

والدموع تنهمر على وجهها.
همست اضطررت لذلك
اقترب منها نواه وخفض بندقيته وقال بلطف لقد أنقذت حياتي.
وصل الشريف بعد قليل عقب سماعه الضوضاء. عاش الرجل الجريح ما يكفي ليعترف بكل شيءالمخطط لقتل إيفا وأخذ طفلها لإعادتها إلى عائلة زوجها. وانتهت القضية باعتقالهم.
بعد أسابيع طويلة من التوتر والخوف عاد الهدوء تدريجيا إلى مزرعة هاريس. بدا المكان وكأنه يتنفس من جديد. العصافير التي هربت عند أصوات الرصاص عادت لتبني أعشاشها في سقف الحظيرة والرياح التي كانت تضرب النوافذ في الليالي العاصفة بدأت تمر برفق تحمل معها رائحة الربيع القادم.
في تلك الفترة بقيت إيفا وطفلتها الصغيرة في المزرعة تحت رعاية نواه الذي عاملها كضيفة مكرمة لا كعبء ثقيل. كانت تستيقظ مبكرا كل صباح رغم تعبها لتساعد في حلب الأبقار وإطعام الدجاج وري النباتات الصغيرة. وبجانبها كانت طفلتها تنام أحيانا وتستيقظ أحيانا أخرى كأنها تشعر بأن المكانبرغم كل ما حدثأكثر أمانا من أي بيت عرفته إيفا من قبل.
ومع مرور الأيام لم يعد الصمت بين
نواه وإيفا مجرد فراغ ثقيل بل أصبح لغة خاصة. كانا يجلسان قرب الموقد في المساء يتبادلان كلمات قليلة لكنها كلمات صادقة صافية تنبع من قلبين تعبا من الخسارة ووحشة الطريق. كان نواة علاقة جديدة تولد ببطء علاقة لم يخطط لها أحد ولم يجرؤ أحدهما على الاعتراف بها في البداية.
كانت السيدة كوبر تراقبهما بعينين تلمعان بالخبرة والحكمة. كانت ترى أكثر مما يقولان وتبتسم كلما لاحظت نظرة ممتنة من إيفا أو نظرة مطمئنة من نواه. كانت تقول في سرها البيوت لا تبنى من الطوب فقط بعضها يبنى من القلوب التي تجد طريقها لبعضها.
وحين جاء الربيع تغير كل شيء. ذاب الثلج عن الحقول واخضرت الأشجار وامتلأ النهر بمائه المتدفق الذي يعكس لون السماء كمرآة صافية. وفي أحد الصباحات الجميلة تحت شجرة الصفصاف القديمة التي شهدت طفولة نواه وحياته الأولى مع زوجته الراحلة اجتمع الجميع.
كانت إيفا ترتدي فستانا بسيطا لكنه كان أنقى من أي شيء ارتدته من قبل. شعرها البني الطويل كان ينساب على كتفيها بينما كانت تحمل طفلتها بين ذراعيها
وهي تبتسم للمرة الأولى ابتسامة كاملة لا تشوبها خوف ولا حزن.
بكت السيدة كوبر من شدة الفرح ولم تستطع إخفاء دموعها وهي ترى نواه يقف أمام إيفا ممسكا بيديها كأنه وجد أخيرا السلام الذي افتقده لسنوات طويلة. أما إيما الصغيرة التي عادت من المدينة لتشهد ما يجري فقد كانت تمسك الرضيعة بحنان كبير تضحك معها وتداعبها وكأن الطفلة أصبحت أختا لها قبل أن تصبح جزءا رسميا من العائلة.
كانت تلك اللحظة بداية عائلة جديدة لنواه بداية صفحة بيضاء لم يظن يوما أنه سيكتبها. أما إيفا فكانت تنظر حولها إلى الأشجار والسماء والوجوه الطيبة وتتنفس للمرة الأولى بحرية حقيقية لم تعرفها طوال حياتها الماضية. لم تعد ملاحقة لم تعد خائفة لم تعد وحدها. أصبحت جزءا من بيت يحميها وأسرة تقبلها ومستقبل يفتح لها ذراعيه.
وهكذا انتقلت قصتهما من الخوف والظلام إلى الضوء. أصبحت حكايتهما تذكيرا حيا لكل من عرفهما بأن الشجعان حقا ليسوا أولئك الذين لا يخافون بل أولئك الذينمثل نواهيركضون نحو الصرخة لإنقاذ حياة لا يعرفونها بدل أن يهربوا
بعيدا عنها.

 

تم نسخ الرابط