تظاهر بالنوم ليختبر خادمته

لمحة نيوز


كانت واضحة 
كان يأتي لأجلها.
أصبح المخبز عادته الجديدة 
يعجن معها العجين يقدم الشاي للزبائن ويجلس على المقعد الخشبي يراقب الأطفال يلعبون.
وتعلم رجل المدينة الكبيرة أن البساطة قد تكون أغنى من الذهب.
لم يعد بحاجة لساعات فاخرة 
بل لوقت بطيء يقضيه معها.
وفي يوم الاحتفال بذكرى المخبز الثالثة علقت أنانيا لافتة
حلويات مجانية للجميع!
ازدحم المكان بالضحكات والأطفال والكعك.
وسط الزحام تقدم آرف بصندوق صغير.
ما هذا سألت بخجل.
هدية بسيطة للمخبز. أجاب.
فتحت الصندوق فوجدت فيه عقدا من أزهار الآذريون الجافة وتحتها ورقة.
قرأت فيها
زرعت السكينة في حياتي
وأريد أن أزرع الثبات في حياتك.
إن وافقت فلنبدأ من جديد 
لا كسيد وخادمة بل كروحين تفهمان بعضهما.
سقطت دموعها لكن ابتسامتها بقيت تلك الابتسامة القديمة العميقة الصادقة.
قالت
وما الذي تريدني أن آخذه منك الآن
أجاب آرف
هذه المرة أريدك أنت أن تأخذي شيئا 
لأن ما أملكه

الآن هو قلبي فقط.
عند المغيب أضيئت مصابيح الزيت على سطح المخبز.
امتلأ المكان بصوت الأطفال وضحكات الزبائن وروائح الحلوى 
كأن العالم يحتفل ببداية قصة جديدة.
جلس آرف وأنانيا معا يطلان على الجبال.
ولزمن طويل لم يتحدثا.
ثم قالت أنانيا بخفوت
لم أتوقع يوما أن يفهم أحد زهوري هكذا.
ابتسم آرف
ولم أتوقع يوما أن يملأ أحد صمتي بالكامل.
ضحكا معا.
ظهرت النجوم تلك الليلة كأن السماء نفسها قررت أن تقترب منهما قليلا تطل عليهما بفضول خافت تشهد على اعترافين ولدا ببطء ثم انفجرا في صمت.
كانت الجبال تظلم تدريجيا والريح الباردة تزحف بين الأشجار الصنوبرية الطويلة لكن دفء اللحظة كان كافيا ليجعل الهواء كله يبدو أقرب ألين وأصدق.
جلسا على المقعد الخشبي أمام المخبز والضوء الأصفر الصغير المنبعث من داخل المتجر يتراقص خلفهما ينعكس على وجهيهما كأنهما لوحة لم يكتمل رسمها بعد.
كانت أنانيا تضم يديها إلى صدرها بخجل لم يفارقها يوما بينما كان آرف ينظر
إليها نظرة رجل وجد أخيرا ما لم يستطع المال منحه طمأنينة تشبه العودة إلى البيت بعد غياب طويل.
وللمرة الأولى منذ سنوات قال آرف بصوت منخفض كأن الكلمات خرجت من أعماق جرح ظل طويلا يخاف أن يفتح
الآن أستطيع أن أنام.
لم تكن جملة عابرة.
كانت اعترافا كاملا
استسلاما جميلا
وتحررا من حياة أثقلته أكثر مما حمته.
نظرت إليه أنانيا وابتسامتها تلك البسيطة المتواضعة لكنها أشبه بضوء يستعاد جعلت قلبه يرتجف كأنه يسمعها لأول مرة.
ثم قالت
لأنك لم تعد وحيدا.
كانت كلماتها ناعمة لكنها حملت الحقيقة التي ظل يهرب منها طوال حياته.
الوحدة التي عاش فيها كانت أفخم من أي قصر وأشد قسوة من أي سجن.
ومن خلف نافذة المخبز ظهرت اللافتة الصغيرة تتمايل مع الهواء
آذريون حيث تنبع كل حلاوة من الصدق.
ليست مجرد جملة تجارية
كانت خلاصة قصتهما.
خلاصة الشفاء.
خلاصة الطريق الطويل الذي عبره كل منهما حتى يصل إلى الآخر.
يقول أهل البلدة إن الحلويات في مخبز أنانيا مختلفة وأن
مذاقها يبقى في القلب قبل اللسان.
كانوا يظنون أن السر في وصفات خاصة أو في الزبدة الطازجة التي تجلبها من المزرعة المجاورة.
لكن الحقيقة كانت أبسط وأعمق.
كل قطعة حلوى هناك كانت تحمل شيئا من قصتهما.
قليلا من الغفران
قليلا من الأمل
وكثيرا من الحب الذي ولد من الصدق لا من المصادفة.
في تلك البلدة الجبلية الهادئة كان الناس يروون حكاية الفتاة التي علمت رجلا ثريا معنى البساطة ورجلا ثريا أعاد إليها الإيمان بأن الطيبة لا تهدر.
كان الأطفال يركضون حول المخبز بعد المدرسة والهواء معجون برائحة السكر والقرفة وزهرة الآذريون الجافة.
ومع مرور الوقت لم يعد أحد يسأل كيف بدأت قصتهما
بل أصبح السؤال الأجمل إلى أين ستمضي
ولأن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج
كان يكفيهما أن يجلسا كل مساء أمام المخبز يتبادلان كلمات قليلة وصمتا طويلا مليئا بما لا يقال.
وهناك بين هدير الريح فوق الجبال ودفء الأضواء داخل المخبز
أثبت آرف وأنانيا أن أبسط زهرة زهرة آذريون
برتقالية صغيرة 
قد تكون كافية لإيقاظ أغنى قلب
وأرق روح
وأعمق حياة.

 

تم نسخ الرابط