لم تنطق منذ ولادتها إلى أن جاء طفل فقير غير حياتها

لمحة نيوز

لم تنطق ابنة الملياردير بكلمة واحدة منذ ولادتهاإلى أن قام الفتى الأسود الفقير بما لم يتخيله أحد
كانت الغيوم الرمادية تحوم فوق المدينة كأنها بطانية ثقيلة تخنق الضوء بينما كان القصر الأبيض على التل يلمع ببرود أشبه بقلعة معزولة عن كل ما يحدث في الأسفل 
في الطابق العلوي داخل مكتب واسع تغطي جدرانه شاشات المراقبة كان الملياردير هنري ويتاكر يجلس وحده وذراعاه متشابكتان فوق صدره وعيونه متعبة رغم بريق الثروة الذي يحيط بكل شيء حوله 
كان يمرر نظره دون اهتمام بين الكاميرات باب القصر الأمامي الحديقة الممرات المطبخ السلالم الرخامية حتى توقفت عيناه فجأة عند زاوية مهملة اعتاد ألا يلتفت إليها 
الدرج الخلفي للقصر 
المكان الذي لا يستخدمه أحد تقريبا إلا الخدم 
تجمد هنري 
هناك على الدرجة الثالثة من الأسفل
كانت تجلس إيفا 
ابنته ذات الأعوام السبعة صاحبة العينين الزرقاوين الهادئتين والملامح الملائكية والملفات الطبية الثقيلة التي تراكمت فوق مكتب كبار الأطباء في البلاد
إيفا التي لم تنطق منذ ولادتها بكلمة واحدة 
كانت تجلس وحدها بجوار صناديق قمامة معدنية ترتدي فستانا بسيطا يميل لونه إلى الأبيض وشعرها الأشقر مسدل على كتفيها الصغيرتين 
لكن ما شل قلب هنري لم يكن وجودها هناك بل تعبير وجهها 
كانت تبتسم 
ابتسامة حقيقية صافية لا تشبه الابتسامات المتكلفة التي يرسمها الكبار في الصور الرسمية 
ابتسامة تشبه شروق الشمس بعد ليلة طويلة من البرد 
وبجوارها على الدرجة ذاتها جلس فتى أسمر في سن المراهقة بنحافة واضحة حافي القدمين تقريبا يرتدي ملابس قديمة باهتة وممزقة عند الركبتين 
وجهه نحيل وعيناه واسعتان

سوداوان تلمعان ببريق غريب يحمل مزيجا من الحذر والهدوء 
فتى لا ينتمي لهذا العالم 
لا ينتمي لقصر بهذا الثراء 
ولا يمكن أن يكون جزءا من هذه الطبقة التي تشبه الزجاج شفافة لكنها قاسية 
ترددت يد هنري فوق زر الإنذار المثبت إلى جواره 
كل ما تعلمه عن الحماية والأمن والسلامة يقول إن هناك دخيلا داخل ممتلكاته 
كل الإجراءات تقول إن عليه أن يضغط الزر فورا 
قبل أن يراه 
قبل أن تخونه عيناه ويرصد ما كان يجب ألا يحدث 
رأى شفتي إيفا تتحركان 
ليست حركة عشوائية كما في طفلة تلهو 
ولا ارتجافا عصبيا كما حدث في جلسات العلاج الطويلة حين حاول الأطباء إثبات أن جهاز النطق لديها سليم وظيفيا لكنها تعاني حاجزا نفسيا 
بل كانت حركة مختلفة
هادئة محددة كأنها تستعد لإخراج شيء ظل حبيسا طيلة سبع سنوات 
مال هنري إلى الأمام حتى كاد أن يلتصق وجهه بالشاشة 
خفض الصوت ثم رفعه ثم ركز على الصورة أكثر 
كانت إيفا تنظر إلى الفتى الجالس بجوارها والفتى ينظر إليها 
ثم تحركت شفتاها ببطء 
كلمة واحدة 
لم يسمعها بوضوح من المرة الأولى ففتح تسجيل الكاميرا وأعاد تشغيل المقطع 
ثم أعاد المشهد للمرة الثالثة 
في كل مرة
تتحرك شفتي إيفا بالطريقة نفسها وبنفس الثبات وكأن الكلمة كانت محفوظة في قلبها منذ زمن طويل تنتظر من يستدعيها 
Hi 
تحية إنجليزية بسيطة لا تكاد تذكر أمام ملايين الكلمات في القواميس 
لكن بالنسبة ل هنري كانت أعظم من كل ما جمعه في حياته من ثروة وعقارات واستثمارات 
كانت هذه الكلمة بكل بساطتها إعلان سقوط جدار صمت دام سبع سنوات 
تجمد الدم في عروقه 
لم
يشعر بقدميه وهو ينهض واقفا 
لم يدر كيف أغلق الشاشة ولا كيف فتح باب المكتب 
كل ما شعر به هو أن قلبه يسبق خطواته وهو يندفع في الممر الطويل يهبط السلالم بسرعة يتجاوز الخدم الذين لم يفهموا سبب اندفاعه ثم يفتح الباب الخلفي للقصر بعنف 
الهواء في الخارج كان باردا قليلا يحمل رائحة العشب المبتل والمطر الذي تساقط ليلا 
لم يهتم هنري بأي شيء من ذلك 
كان يبحث بعينيه 
هناك
على الدرج الخلفي كما في الكاميرا
كانت إيفا 
جالسة في نفس المكان على نفس الدرجة تمسك في يدها شطيرة زبدة فول سوداني نصف مأكولة وعيناها تلمعان ببريق غريب لم يره فيها من قبل منذ وفاة أمها 
وبجوارها الفتى الأسمر نفسه جالس بهدوء ظهره منحني قليلا ينظر إلى الأرض تارة وإلى إيفا تارة أخرى 
توقف هنري على بعد خطوات قليلة 
لم يكن يعرف ماذا يقول 
لم يكن يعرف كيف يجب أن يتصرف 
كان جزء في داخله يريد أن يصرخ 
من أنت وكيف دخلت إلى هنا اخرج فورا من ممتلكاتي!
وجزء آخر أعمق خافت لم يعد يثق في صراخه كان يهمس له 
اصمت واستمع لا تفسد شيئا ربما يكون معجزة 
رفع الفتى رأسه فجأة 
رآه 
لم يبد عليه الذعر كما توقع هنري 
لم يقفز هاربا لم يلتفت يمينا ويسارا بحثا عن طريق للهروب 
بل وقف ببطء في حركة هادئة وترك ما تبقى من الخبز على الدرجة الحجرية كمن يرفض أن يحدث فوضى إضافية في المشهد 
كان هنري يرى كل التفاصيل 
الشقوق الصغيرة في قميص الفتى حواف البنطال البالية أصابع قدميه التي تظهر من حذاء رياضي ممزق لكن أكثر ما كان يراه هو نظرة عينيه 
لم تكن نظرة متسول ولا نظرة لص 
كانت نظرة من يعرف الألم
جيدا
ويعرف أن الصراخ لا ينفع معه 
قال هنري بصوت حاول أن يبقيه ثابتا 
من أنت
أجاب الفتى بهدوء 
اسمي مالك يا سيدي 
مرت ثانية صامتة قبل أن يتابع 
أنا لم آت لسرقة شيء 
رمش هنري بعينيه 
وما الذي أتيت من أجله إذن
التفت مالك قليلا نحو إيفا ثم عاد بنظره إلى هنري 
كان يدرك أن كل كلمة يقولها الآن قد تحدد مصيره 
قال ببطء 
رأيتها وحدها وكانت تنظر كأنها تريد أن تقول شيئا لكن لا أحد يسمع 
ثم أضاف جملة بسيطة لكنها اخترقت ضمير هنري كالسهم 
جربت أن أسمعها 
تقلص قلب هنري في صدره 
قال مالك 
الجميع كان يتكلم حولها لكن ليس معها 
في تلك اللحظة أحس هنري أن شيئا ينهار داخله 
كم مرة جلس مع الأطباء
كم تقريرا قرأه عن صعوبة النطق والصدمة النفسية بعد فقدان الأم واحتمالات اضطراب عصبي وبرامج علاجية مكثفة
كم مرة دفع فيها مبالغ طائلة لمراكز خاصة وسافر بها إلى مدن أخرى بحثا عن معجزة
ومع ذلك
لم يفكر مرة أن يجلس أمامها فقط كأب ويتحدث معها حديثا بسيطا من القلب إلى القلب دون فحص دون تقييم دون خوف 
قال هنري وهو يبتلع ريقه 
هل سمعت صوتها
هز مالك رأسه إيجابا وملامحه لا تزال هادئة رغم التوتر 
نعم قالت هاي 
نظر هنري إلى ابنته 
كانت تنظر إليه في صمت لكن عينيها تقولان كل شيء 
اقترب ببطء حتى أصبح قريبا منها دون أن يلمسها 
انخفض قليلا ليكون في مستوى عينيها 
إيفا قال بصوت دافئ على غير عادته 
حبيبتي تقدري تقوليها مرة ثانية
بدت عليها رجفة خفيفة 
وكأن عقلها الصغير يحاول أن يوازن بين خوف قديم من الكلام وبين أمان جديد ولد فجأة بوجود هذا الفتى
الغريب 
التفتت أولا إلى مالك 
كأنها تستأذنه أو تستمد منه الشجاعة 
فابتسم لها ابتسامة
 

تم نسخ الرابط