اعتراف هز المحكمه
ليلة إلى البيت وهي تحمل طفلها بين ذراعيها وتشعر بأن الطفل يعطيها قوة لم تعرفها من قبل كانت تضعه في سريره وتنظر إليه وهو ينام وتفكر بأن هذا الصغير هو الذي أعاد لزوجها الشجاعة وأن هذا الصغير سيكون بداية حياة جديدة لهما مهما كانت النهاية
بعد أسبوع كامل من الانتظار جاء اليوم الذي طلب فيه القاضي حضور جميع الأطراف حضر الناس كما لو أنهم يشهدون حدثا سيبقى في ذاكرة المدينة لسنوات حضر الصحفيون وحضر الجيران وحضر بعض موظفي المحكمة الذين لم يكونوا مطالبين بالحضور لكنهم قرروا البقاء لأن القصة أصبحت قريبة من قلوبهم جميعا
عندما دخل الرجل القاعة دخل بخطوات بطيئة لم يكن يعرف القرار لم يكن يعرف ما إذا كان الاعتراف سيحرره أو سيؤكد العقوبة لكنه كان جاهزا لكل شيء كان يحمل طفله بين ذراعيه والطفل ينظر حوله بعينيه الصغيرتين كأن العالم بالنسبة له مكان
ثم حدثت اللحظة التي غيرت كل شيء
وقف القاضي وقال بصوت ثابت إن المحكمة حصلت على أدلة جديدة وإن هناك شهادة جديدة من أشخاص كانوا مترددين سابقا وإن التحليلات الأخيرة أثبتت أمورا لم تكن موجودة في الملف القديم كل كلمة كان يتلفظ بها القاضي كانت تسقط في القاعة مثل قطع ثلج بطيئة لكنها ثقيلة ثم قال الجملة التي كانت تنتظرها زوجته وينتظرها الحاضرون وينتظرها حتى الطفل دون أن يفهم معناها
تقرر المحكمة تبرئة المتهم وإطلاق سراحه فورا
لم يفهم الرجل الجملة فورا شعر ببعض الدوار كأن الجدران تتحرك من حوله كأن الزمن عاد فجأة إلى الحركة بعد أن كان متوقفا نظرت إليه زوجته ودموعها تسقط دون أن تحاول إيقافها وقالت له بصوت مكسور انتهت لقد انتهى كل شيء
خرج من المحكمة تحت أشعة شمس لم يشعر بدفئها منذ سنوات كانت خطواته على الرصيف الأولى
مرت الأسابيع التالية كأنها فصل مختلف من حياته حاول تدريجيا أن يتأقلم مع العالم الخارجي مع وجود أشياء لم يستوعبها بعد مثل التقنية الجديدة والطرقات المختلفة والوجوه التي كبرت والناس الذين تغيروا كان يقف أمام نافذة بيته كل صباح ينظر إلى الشارع يشعر بأنه غريب قليلا لكنه لم يكن يشعر بالخوف كان يشعر فقط بأنه عاد إلى الحياة
كان يقضي ساعات طويلة مع طفله يراقبه وهو يحبو وهو يضحك وهو يحاول قول أولى كلماته كانت تلك اللحظات تعني له أكثر من كل شيء لأنها كانت اللحظات التي شعر فيها بأن كل شيء يمكن أن يبدأ من جديد وأن الإنسان قادر على أن يصنع من الألم بداية جديدة حتى لو تأخرت
بعد سنة
وفي يوم من الأيام بينما كان يحمل طفله ويمشي به في الحديقة نطق الطفل كلمته الأولى كلمة صغيرة لكنها حملت معنى أكبر من كل الكلمات
بابا
وقف الرجل في مكانه شعر بأن قلبه يتوقف ثم يعاود النبض بقوة أكبر كانت تلك الكلمة بالنسبة له أكبر من تبرئته أكبر من خروجه من السجن أكبر من أي شيء عاشه في حياته كانت إعلانا أن الماضي انتهى وأن المستقبل بدأ
وهو يمسك طفله بقوة شعر بشيء يشبه السلام الداخلي ذلك السلام الذي انتظره سنوات طويلة وشعر
بأن الإنسان يمكن أن يولد مرتين مرة من رحم أمه ومرة أخرى