قدمني والدي لضيوفه باعتباري الموظفه الصغيره عنده
الفهم. آسف لأني لم أسأل. لم أستمع. لم أتخيل حتى إمكانية أن تكون ابنتي أكبر من الإطار الذي وضعتها فيه.
شعرت بشيء يتحرك في صدري.
ليس انتقاما ولا شماتة بل شيء يشبه الشفق والراحة في آن واحد.
قلت بهدوء
الاعتذار لا يمحو الماضي لكنه يساعدنا أن نبدأ من جديد.
نظر إلي مطولا.
ثم قال
هل يمكننا أن نفعل ذلك أن نبدأ من جديد
ترددت.
ليس لأنني لا أريد بل لأن جراح هذه المسافة بيننا لم تخلق في يوم واحد ولن تلتئم في لحظة.
لكنني رأيت التجاعيد الجديدة قرب عينيه ورأيت يديه اللتين لم تعودا قويتين كما كانتا ورأيت الخوف الحقيقي الذي يسكن قلب رجل أدرك متأخرا أنه لم يكن الأب الذي ظنه.
مددت يدي بهدوء ووضعتها على يده.
إيماءة صغيرة لكنها حملت جوابا واضحا
ربما نعم.
لم يبتسم.
لم ينهض فجأة ليعانقني.
فقط أغمض عينيه لحظة وكأنه يحفظ هذا الشعور في مكان عميق ثم فتحهما مجددا وقال
هل ستبقين قليلا
كانت هذه الجملة وحدها كافية لتكشف كم أنه يخاف أن أفلت من بين يديه مرة أخرى لا كابنة تخرج من المنزل بل كامرأة قررت أخيرا أن لا تنتظر اعترافه.
ابتسمت بخفة
سأبقى.
بدأ الرجال ينصرفون واحدا تلو الآخر.
صافحني بعضهم باحترام وبعضهم بخجل وبعضهم بكلمات بسيطة مثل
شرف لنا اللقاء بك.
حافظي على نفسك يا أدميرال.
ابنتك جوهرة يا ريتش.
لم يرد أبي على
كان مشغولا بفكرة واحدة فقط
كيف لم أعرف وكيف أبقيها هذه المرة
بعد أن هدأت الحديقة وجلسنا وحدنا تقريبا دخل إلى المطبخ وعاد بعد دقائق يحمل شيئا صغيرا في يده.
جلس أمامي ووضع صندوقا خشبيا صغيرا على الطاولة.
تعرفين هذا
فتح الغطاء ببطء.
كان خاتما قديما منقوشا عليه شعار البحرية وعليه خدوش تشهد على سنوات طويلة من الخدمة.
هذا خاتمي قال وهو يلمسه بأصابعه المتعبة. ارتديته عندما كنت أظن أن حياتي كلها ستقضي في البحر. كنت أظن أنني أفهم معنى الخدمة والولاء والواجب.
سكت لحظة ثم أضاف
أظن أنني لم أكن أفهم شيئا مقارنة بما فعلته أنت.
دفع بالصندوق نحوي.
خذيه.
نظرت إلى الخاتم ثم إلى وجهه.
إلى تلك الخطوط التي حفرها الزمن والقلق وإلى الإصرار الغريب في عينيه.
قلت بلطف
لا يا أبي هذا خاتمك أنت. أنت الذي earnedته بعرقك ووقتك. لا أحتاجه لأثبت شيئا.
هز رأسه بإصرار
لم أعطك شيئا طوال حياتك سوى كلمات تصغرك. دعي هذا يكون أول شيء أعطيك إياه لأنك أكبر من كل ما قلت.
ترددت ثانية ثم أغلقت الصندوق وأعدته إليه بهدوء.
ليس بعد.
قلت ذلك بابتسامة خفيفة.
احمله أنت قليلا بعد. عندما أكون جاهزة لأخذه سأطلبه منك.
ابتسم لأول مرة منذ دخلت الحديقة.
ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية بلا أقنعة ولا استعراض.
اتفقنا.
مرت أسابيع بعد ذلك اليوم
لم تتغير حياتي العسكرية كثيرا.
ما زلت أستيقظ مبكرا أوقع على أوامر أجلس في غرف مغلقة بلا نوافذ إلا شاشة خرائط تضيء وجوه الرجال الذين ينتظرون كلمتي.
أعود مرهقة أتناول قهوة سوداء بلا سكر أتابع تقارير لمعارك لن يعرف أحد أنها حصلت.
لكن شيئا واحدا تغير فعلا
هاتفي بدأ يرن باسم أبي أكثر من ذي قبل.
لم يعد يسألني
هل ما زلت في العمل الإداري
ولا
متى ستتركين هذا الجيش وتتفرغين لحياتك
صار يسأل أسئلة مختلفة تماما
ما معنى أن تكوني أدميرال
كم عدد الرجال الذين تعتمد حياتهم على قرار واحد منك
هل تخافين أحيانا قبل أن توقعي
كنت أجيب بما يسمح به القانون وبما يسمح به قلبي.
في أحد الأيام قلت له
تريد أن تعرف حقا ما الذي أفعله يا أبي تعال معي.
أخذته معي إلى مركز المحاربين القدامى.
كان المكان مليئا برجال فقدوا أطرافا وآخرين فقدوا جزءا من أرواحهم في الحروب.
جلس بينهم في البداية كأي زائر.
ثم مع الوقت صار واحدا منهم.
يصب القهوة لهذا.
يجلس صامتا يستمع لذاك.
يهز رأسه باحترام عندما يروي أحدهم قصة فقد رفيق سلاحه في مهمة لم تذكر أبدا في الأخبار.
في أحد الأيام خرجنا من المركز معا وقال لي وهو يسير بجانبي بخطى بطيئة
أظنني بدأت أفهم جزءا صغيرا مما تحملينه.
نظرت إليه وسألته
وأنا هل بدأت أخيرا أفهم شيئا عنك أنت
ضحك بحزن
ربما
لم يكن التغيير سريعا ولا سحريا.
كان بطيئا يشبه التئام الجروح القديمة التي لم تخاط بشكل صحيح.
في ليلة هادئة بعد سنوات من ذلك اليوم في الحديقة تلقيت اتصالا من المستشفى.
والدك
قالت الممرضة بلطف رسمي.
حالته غير مستقرة. من الأفضل أن تأتي.
لم أطرح أسئلة كثيرة.
ارتديت الزي ليس لأن المناسبة رسمية بل لأن هذا هو وجهي الحقيقي الآن.
دخلت غرفته في جناح العناية فوجدته أضعف بكثير مما تركته لكن في عينيه ذلك البريق نفسه الذي رأيته يوم قال أنا آسف.
ابتسم عندما رآني.
رفع يده بصعوبة فأمسكت بها.
أليكس
همس وكأن الكلمة تتطلب منه مجهودا كبيرا.
تذكرين الخاتم
ابتسمت رغم الغصة.
نعم يا أبي.
أشار بعينيه نحو درج صغير.
فتحته فوجدت الصندوق الخشبي نفسه.
هذه المرة لم يفتحه هو.
تركني أنا أفتحه.
داخل الصندوق كان الخاتم ومعه ورقة صغيرة مطوية بعناية.
فتحتهما معا.
الخاتم كان كما هو.
لكن الورقة حملت سطورا قليلة مكتوبة بخط يده المرتعش
أليكس
لم أكن أرى.
الآن أرى.
لم يكونوا هم من يخفون عني حقيقتك كنت أنا من يرفض رؤيتها.
إن كنت قد غفرت لي ولو جزءا صغيرا فخذي هذا الخاتم ليس كرمز لما كنته أنا بل كاعتراف بما أنت عليه أنت.
أنا فخور بك حتى وإن لم أتعلم كيف أقولها مبكرا.
أبوك.
لم
سقطت واحدة على الورقة فمسحتها بسرعة حتى لا يتلطخ الحبر.
نظرت إليه فوجدته يراقب