مالم يقله الموج بقلم اسما السيد

لمحة نيوز


إن الفطير بقى فيه طعم وجع. أما رائد فكان بيعدي كل يوم من قدامها بالعربية يوقف من بعيد يبص عليها وبعدين يكمل طريقه. بس النهارده قرر ينزل.
وقف عند الكشك وقال بهدوء 
صباح الخير يا غزل.
ردت وهي مكشرة صباح الخير يا بيه لو جاي تكمل كلامك عن المشروع فمش فاضيه. قال وهو بيحاول يخفف الجو 
جاي آكل فطير هو أنا لازم أكون داخل في مشروع علشان أجي
بصت له لحظة وبعدين ضحكت بخفة 
ماشي يا بيه بس الفطير غالي النهارده الكلمه ب جنيه.
ابتسم وقال أغلى كلمة سمعتها النهارده.
قعد على الكرسي البلاستيك الصغير وفضل يتفرج عليها وهي بتحضر العجين.
ولأول مرة لاحظ حركة إيديها وهي بتفرد الفطير بحنان غريب
كأنها بتتعامل مع الحاجة دي كأنها إنسان مش عجين.
بعد شوية شاف ست كبيرة طالعة من الحارة وبتنادي 
غزل يا بنتي خدي بالك من نفسك الجو ساقعة.
غزل راحت بسرعة وجابتلها بطانية صغيرة وقالت 
ادخلي جوا يا أمي الجو برد النهارده.
رائد بصلها باستغراب دي أمك
غزل أيوه تعبانة شوية عندها مرض مزمن ومينفعش تشتغلفالكشك ده رزقنا إحنا الاتنين.
سكت رائد وصوته نزل واطي جدا لما قال كنت فاكرك بتعندي بس بس واضح إنك بتحاربي علشان حد بتحبيه.
قالت وهي بتبص في الأرض كل واحد فينا عنده حد بيخليه يكمل يا بيه.
أنا أمي وإنت يمكن تلاقي اللي يخليك ترجع إنسان.
الكلمة دي وجعته زي السهم.
بص لها وكل اللي جواه اتقلب مفيش غرور مفيش كبر بس احترام وإحساس غريب بيكبر جواه كل دقيقة.
مد لها الفلوس وقال خدي دي واعملي حسابي كل يوم.
قالت بابتسامة خفيفة اللي بياكل عندي ما بيدفعش تمن الأكل بيدفع تمن نيته.


ضحك وقال طب اعتبريها نية صافية من قلبي.
في اللحظة دي غزل بصت له وشافت في عينيه حاجة جديدة
مش نظرة راجل متسلط لكن نظرة حد اتوجع قبل كده ويمكن لسه مستني اللي يداوي وجعه.
الافتتاح الكبير للقرية السياحية كان قربوالشغل ما بيقفش.
ورائد كان المفروض يركز في كل التفاصيل
بس دماغه في حتة تانية تماما في بنت واقفة على ناصية صغيرة بتبيع فطير.
في يوم قرر يعمل حاجة كويسة من وجهة نظره.
كلم مدير العلاقات في الشركة وقال له عايز أعمل مفاجأة للبنت اللي بتبيع فطير على الناصية
ابنيلها كشك جديد نضيف فيه كهربا ومية وحطوا اسمها عليه بخط كبير فطير غزل الدمياطي.
المدير ابتسم وقال حاضر يا باشا خطوة محترمة منك.
بس رائد ما كانش عارف إن الخطوة دي هتتفسر غلط جدا.
بعد كام يوم غزل وصلت الصبح لمكانها ولقت الكشك بتاعها القديم اختفى وفي مكانه مبنى جديد لامع عليه يفطة ضخمة.
اتجمدت مكانها الناس حواليها فرحانة وبتقول برافو يا غزل خلاص بقى عندك محل رسمي.
لكن غزل كانت واقفة مش مصدقة. إزاي كدهمين سمح
فين الكشك بتاع أبوها اللي كان فيه ريحته وذكرياته
رائد جه وهو مبتسم وقال لها إيه رأيك عجبك كنت عايز أفرحك قبل الافتتاح.
غزل بصت له بنظرة وجع وقالت بهدوء مر إنت عملت كده من غير ما تسألني هديت مكاني اللي تربيت عليه اللي كنت بشم فيه ريحة أبوياوبدل ما تساعدني مسحت تاريخه!
اتلخبط وقال بسرعة يا غزل أنا كنت عايز أعمل حاجة كويسة! ده كشك أحسن وشغلك هيكبر قاطعت كلامه بصوت عالي قدام الناس احسن لمينإنت فاكر الفقر عيب ولا البساطة محتاجة ترميماللي بيحب الخير بيسأل قبل ما يدي!
الشارع كله سكت. رائد حس
أن الدم نشف في عروقه .
لأول مرة في حياته حد يوبخه بالشكل دهوأكتر حاجة وجعته إنها كانت عندها حق.
قال بهدوء وهو بيحاول يخبي كسوفه أنا آسف يا غزل والله ما كنت أقصد أزعلك.
ردت وهي بتكتم دموعها النية الطيبة من غير فهم بتوجع أكتر من الغلط يا بيه.
وسابته ومشيت وسيباه واقف قدام الكشك اللامع اللي فجأة بقى شكله فاضي جدا.
في اللحظة دي رائد حس إن كل اللي بناه في حياته القرى الفلوس النفوذ ما لهوش أي معنى لو ما عرفش يرضي قلبها البسيط.
بعد الموقف اللي حصل غزل اختفت كذا يوم.
الكشك الجديد فاضي والمكان من غيرها بقى كأنه ناقص روح.
رائد كان بيعدي بالعربية كل يوم يبص على الناصية يوقف لحظة وبعدين يكمل ساكت. جواه وجع غريب زي الندم اللي بيقرص من جوه الصدر.
وفي يوم بالليل وهو راجع من موقع القرية
شاف زحمة عند الحارة اللي غزل ساكنة فيها.
نزل بسرعة قلبه بيخبط في صدره.
سأل أول واحد قابله 
في إيه يا عم
الراجل قال أم البنت اللي بتبيع فطير تعبانة أوي نقلوها المستشفى.
من غير ما يفكر رائد ركب عربيته وراح على المستشفى اللي في آخر الشارع. دخل جوه ولما شاف غزل قاعدة على كرسي حديد
وشها شاحب وعيونها مجهدة حس إن الدنيا وقفت لحظة.
قال بهدوء وهو بيقرب غزل
رفعت عينيها أول ما شافته دموعها نزلت غصب عنها.
أمي حالتها وحشة يا بيه الدكتور قال محتاجة عملية عاجلة وأنا ممعيش تمنها.
من غير أي كلام رائد مد إيده وطلع شيك من جيبه.
خدي ده واعملي كل اللازم.
غزل بعدت إيده وقالت بعصبية مش عايزة فلوسك! أنا مش شحاته
قال بصوت فيه رجاء لأول مرة غزل اسمعيني المرة دي مش صدقة ولا معروف.
اعتبريه دين
أو حتى عقاب على اللي عملته فيكي قبل كده.
بس بالله عليكي خدي الفلوس.
بصت له لحظة طويلة وبعدين دموعها غلبتها وقالت 
أنا مش عايزة منك حاجة أنا بس خايفة أخسرها.
رد عليها وهو ماسك إيديها بخفة مش هتخسريها أنا هكون معاكي في كل حاجة.
وبالفعل فضل معاها لحد ما العملية خلصت وكان واقف بره أوضة العمليات ولأول مرة في حياته يدعي من قلبه.
بعد ساعات الدكتور خرج وقال 
الحمد لله العملية نجحت.
غزل بصت له وشافت في عينيه التعب والقلق الصادق
فهمت إن الراجل اللي قدامها اتغير وإن تحت الصرامة دي في إنسان كان محتاج فرصة يطلع الخير اللي فيه.
قال لها وهو بيتنفس براحة 
شايفه ربنا كبير زي ما إنت دايما بتقولي.
ابتسمت وقالت بخفة دمها المعتادة أهو أخيرا سمعت كلامي يا بيه. ضحك بس جواه كان في حاجة كبيرة بتتغير فعلا 
القسوة القديمة بتدوب والقلب اللي كان حجر بدأ يسمع صوته لأول مرة.
عدى أسبوع بعد العملية وأم غزل بدأت تتحسن
ورائد بقى بيعدي عليهم كل يوم بعد الشغل.
مرة يجيب دوا ومرة أكل ومرة بس يقعد ساكت يسمعهم بيضحكوا. غزل بقت مش عارفة تصنف إحساسها ناحيته.
هو راجل غريب عنهابس حضوره مريح وصوته لما يقول عاملة إيه يا غزل بيهديها.
في يوم وهي قاعدة بتوضب في الكشك الجديد
قرب منها وقال الافتتاح بعد بكرة وكنت عايزك تحضري.
ردت بتردد أنا أروح فين وسط الناس دي أنا مجرد بنت بتبيع فطير.
ضحك وقال بنت بتبيع فطير بس علمتني يعني إيه كرامة وإنسانية يبقى لازم تكوني هناك.
ابتسمت بس قبل ما ترد ظهر شاب من آخر الشارع
صوته عالي وهو بينادي غزل! إيه ده بجد إنت!
اتجمدت قلبها وقع في رجليها.
رائد بص له باستغراب.
الولد قرب وشكله من نفس سنها تقريبا
لبسه بسيط بس في عينيه لهفة مش
 

تم نسخ الرابط