لقد أمر الخادمة أن تعزف على البيانو أمام الجميع
كأنه يلتقط صورة لكل وجه. في هذه الصورة التي لا ترى كان هناك رجل يضع يده على قلبه وامرأة تهز رأسها موافقة لشيء لم يقل وخادم يبتلع ريقه بصعوبة وطفلة عائلة نبيلة خرجت من حضن مربيتها لتقف على رؤوس أصابعها كي ترى أصابع جوليا حيث لا ينبغي لها أن ترى.
ثم جاء التصفيق لا كأمطار مفاجئة بل كموجة بدأت من زاوية يسمعها من له أذن ثم علت. يد واحدة تصفق أولا بدقة تليق بقبضة عرفت يوما العزف على آلة ما ثم لحقتها يدان ثم خمس ثم عشرون ثم صارت الأيدي بحرا يطرق الشاطئ. الصوت يمضي على القباب الذهبية يرتد من أرجل المقاعد يدخل من تحت باب البهو الخلفي ثم يعود حتى ظن البعض أن التصفيق لا يصدر منهم بل من القاعة نفسها.
ترنحت جوليا قليلا وهي لا تزال جالسة. المفاتيح تحت أطراف أصابعها لم تبرد بعد. فتحت عينيها ببطء كمن يعود من نفق طويل إلى ساحة فيها شمس. رأت الوجوه نفسها التي دخلت القاعة مزهوة مصقولة لكن الاصطباغ تبدل شيء من الحياء شيء من الامتنان شيء من خوف جميل حين يعترف الإنسان بما لا يستطيع امتلاكه.
وقفت امرأة من الصف الثاني كانت قبل دقائق تتهامس مع صديقتها ضاحكة على خادمة تتجرأ. الآن نظرت إلى جوليا نظرة تلميذة تسلم دفترها لمعلمها. قالت أين تعلمت كان صوتها ناعما لكنه يحمل ذنبا خفيفا والذنب حين يرافق السؤال يمنحه صدقا.
قالت جوليا وهي تخفض بصرها في لا مكان. علمت نفسي.
على الجانب ارتجفت شفة جيراردو. لم يكن في باله رد مناسب. أحس مرارة حادة على طرف لسانه ليست مرارة الهزيمة فقط بل مرارة اكتشاف تأخر أن القوة التي يملكها لا تصل إلى هذه الطبقة من العالم. حاول أن يضحك ضحكة ينهي بها المشهد فخرج صوته مكسورا يكفي! عودي إلى عملك! لكن صوته اصطدم بالجدار الناعم الذي نسجته النغمات ولم يخترقه. الناس لم يلتفتوا إليه. بعضهم ربما لم يسمعه.
في المقاعد الجانبية شخص ذو لكنة أجنبية انحنى قليلا
بجانب خشبة المسرح خادم قاس الملامح كان يراقب دائما من وراء الستارة كي يصحح الأخطاء الصغيرة مفرش زاغ كأس نسي منديل سقط مد يده دون وعي ومسح برفق غير معتاد أثر بصمة على الغطاء الأسود قرب لوحة العلامة. ثم ترك مكانه وعاد خطوة إلى الخلف. لا أحد لاحظه. وهذا ما أراحه.
العجوز في الخلف صاحب التصفيقة الأولى أعاد التصفيق وحده بعد أن هدأت القاعة لحظة كأنه يختم الصلاة بآمين ثانية. التفت له رؤوس فابتسم ودموعه تضيء. قال بصوت لا يتجاوز نصف متر شكرا. الكلمة وصلت إلى جوليا ليس لأن الصوت عال بل لأن الطريق كان مفتوحا.
تقدمت امرأة أخرى سألت عن اسمها. قالت جوليا أندرسون. انتقل الاسم بين الصفوف سريعا. كتبه صحفي في دفتر صغير. ظل الحبر مفتوحا لحظة أطول من المعتاد كأن الكلمة رفضت أن تجف بلا احتفال.
في زاوية أرضية حيث تتجمع الكلمات الهمس مثل فتات خبز كانت نانسي زميلتها قد دخلت من باب الخدمة الموارب. وجدت نفسها متسمرة. من مكانها رأت شيئا لم تره من قبل كيف يمكن لفتاة تعرف كيف تلمع أن تجعل القاعة بأكملها تلمع من الداخل. رفعت يدها قليلا لمحت لجوليا بإشارة صغيرة يعرفها الاثنان أنا هنا. لم تلتقطها إلا جوليا فابتسمت ابتسامة رفيعة ليست للقاعة بل للباب الصغير الذي خرجت منه كل أيامها.
خفت التصفيق قليلا ثم عاد كأن موجة ثانية قررت أن تلمس الشاطئ. جيراردو حاول أن يتقدم خطوة. صرير جلده مع الحذاء بدا عاليا على غير عادة. كفه مسحت طرف سترته مرتين. أراد أن يقول شيئا فكرتان تصارعتا الأولى أن يعلن أن العرض كان فكرته وأنه اكتشف
عازف الكمان الذي قال كلمته أولا نظر إلى مفاتيح البيانو الطويلة واستقام. فهم هو الذي تمرن سنوات على تقنيات النغمة النقية والانتقال الصافي أن هناك ما لا يعلم. شيء يلتقط حين يخاف المرء ثم يستمر رغم الخوف. انحنى من جديد هذه المرة ببطء أكثر وجعل القوس يلامس أطراف أصابعه كما لو كان يمس أثرا مقدسا.
هنا في هذا التراكم الهادئ للدهشة لاحت ابتسامة في عيني جوليا لا على فمها. ابتسامة من داخل. لم ترد أن تسقط النشوة على المشهد فتفسده. لم ترد أن تحول اللحظة إلى فاصل استعراضي. تركت الأمر كما هو قاعة تنصت امرأة تجلس عند البيانو نغمة انتهت ولم تنته رجل قوي عاجز عن إصدار الأمر الأخير.
مضت ثوان أخرى من صمت حي. لو قدر لهذا الصمت أن يقاس لكان بعمق الأنفاس لا بطولها. أحدهم حرك كرسيه نصف سنتمتر اعتذر بعينه لخمسة وجوه فابتسمت خمسة وجوه.
في البعيد ساعة
الجدار الكبيرة نبض عقربها مرة واحدة وامتزج صوتها بما تبقى من الوتر الأخير حتى صار صديقا له لا عدوا.
رفعت جوليا يدها اليمنى عن المفاتيح أولا ثم اليسرى. لمس طرف إبهامها الخشب اللامع فترك أثرا دقيقا سرعان ما تبخر. أراحت راحتيها على حجرها. لم تنهض بعد. كأن الجلوس هو نفسه جزء من المعزوفة. جزء يتعلم فيه المستمعون كيف يحتفظون بما سمعوا دون أن يسرفوا في الكلمات.
ثم قامت.
كان قيامها بطيئا محسوبا لا يعرف العجلة. وقفت في مواجهة الجمهور لا هي منحنية انحناءة التابع ولا مستقيمة استقامة المتحدي. وقفة من يقول أنا لا أكثر من أنني أنا. انسدلت خصلة قصيرة على جبينها أعادتها بإصبع واحد إلى ما وراء الأذن. هذا التفصيل الصغير رأته امرأة في الصف الرابع وتنفست كأنها رأت ابنتها تضع خصلة شعر وراء أذنها قبل أول يوم مدرسة.
لم تتكلم جوليا. لم تقل شكرا. كان في القاعة من يقوم بهذه الوظيفة بالنيابة عن الجميع التصفيق الثالث ثم الرابع ثم نداءات متناثرة برافو. مرة أخرى. اسمها لا تنسوا اسمها. التفتت جوليا نصف التفاتة إلى البيانو كما لو كانت تستشير صديقا هل نعيد البيانو في سكوت الأشياء حين ترضى بدا موافقا.
لم تجلس هذه المرة. لم تعزف. فقط وضعت كفها برفق على الغطاء الأسود كلمسة وداع مؤقت. أحست بالحرارة التي تركها جسدها من أول العزف إلى آخره حرارة ضئيلة لكنها حقيقية. رفعت الكف. سحبت نفسا طويلا. وعادت تنظر إلى القاعة.
في تلك اللحظة تثبت المشهد جوليا واقفة البيانو خلفها كظل وفي وجمهور لا يريد أن ينتهي. لو دخل غريب الآن لظن أن هذا ما خلقت القاعات لأجله أن يصدق الناس ولو مرة أن موهبة إنسان واحد يمكن أن تعيد ترتيب طبقات المجتمع خمس دقائق كاملة دون قانون ولا شرطة ولا خطب.
على الحافة اليسرى للخشبة وضعت مزهرية صغيرة من زهور بيضاء لا اسم لها في ذاكرة جوليا. نفذ إليها شيء من هواء القاعة فمالت زهرتان قليلا ناحية البيانو. لا أحد لاحظ. ربما البيانو لاحظ. وربما وهذا أقرب لاحظت جوليا دون أن تنظر فابتسمت بالعينين مرة أخرى ابتسامة تحفظ كخاتمة غير منطوقة لهذا المساء.
صرخة يكفي! التي أطلقها جيراردو قبل قليل تاهت وانطفأت مثل شمعة نفخ فيها من بعيد. صمت جيراردو وانشغل الجمهور عن صاحبه. عاد كل واحد إلى نفسه لكن ليس كما كان حين دخل. كان لديهم جميعا الآن شيء مشترك ذكرى نغمة سارت فيهم ولم تطلب إذنا. وجلست جوليا ثانية على المقعد فقط لتضع يدها للحظة فوق المفاتيح لا لتصدر صوتا بل لتستقر روحها حيث ولدت قبل دقائق بين الأبيض والأسود.
هكذا ظلت القاعة لأطول مما يحسبون تتنفس على إيقاع الصمت الذي تخلفه موسيقى أحسنت فيما كان الغبار في أعلى السقف يدور ببطء مثل مجرة صغيرة راضية وقلوب الناس ترسل إلى البيانو