كنت حاجا لبيت الله الحرام
عندما مد موفق يده بالأموال إلى تلك الأرملة المسكينة شهقت المرأة وبكت بكاء مرا وكأنها كانت تحمل الجبال على ظهرها فأزيحت عنها فجأة. نظرت إليه ثم إلى أولادها النائمين على الأرض وقالت
هل هذا مال الحج! لا لا يمكنني أخذه يا موفق اذهب وبلغ دعاءنا إلى البيت الحرام بلغ سلامنا إلى الكعبة.
قال لها موفق وهو يمسك يدها المرتجفة
يا أختي ما قيمة حجي إن كنت وأولادك تأكلون الميتة! أقسم بالله لعل الله يرضى عني بهذا أكثر من ألف طواف وسعي!
أخذت المال وهي ترتجف تدعو له دعاء يشق السحاب. لم تكن تملك شيئا لتقدمه له لكنها رفعت يديها إلى السماء وقالت
اللهم إن عبدك هذا ترك أحب الأعمال إليك رحمة بأيتامك فارحمه وبلغه من عطائك ما لا يخطر له على بال.
ولم يكن يعلم موفق أن تلك الدعوة ستكون سببا في كتابة اسمه في صحائف القبول دون أن يطأ قدمه صعيد عرفات.
أنهى موفق قصته وهو لا يعلم ما الذي رآه عبد الله
فقال له عبد الله والدموع في عينيه
يا موفق والله لقد رأيت رؤيا غريبة في منى رأيت رجلين من الملائكة يتحدثان أحدهما قال إن الله لم يقبل حج أكثر من القليل لكنه عفا عن الجميع بسببك أنت بسبب موقفك هذا!
ارتعد جسد موفق وقال
أنا! لا والله أنا رجل بسيط
قال عبد الله
لكنك كبير عند الله وصدق نيتك وحنان قلبك رفع به خلق كثير. لقد رأيت هذا بأم عيني في المنام ولم يهدأ لي بال حتى وصلت إليك!
فبكى موفق
بكاء طويلا كطفل أرهقه الجوع ثم سقوه دفعة واحدة وقال
يا رب ما أكرمك! يا رب هذا من فضلك وحدك.
عاد عبد الله إلى العراق لكنه ما نسي ما رآه وما سمعه. صار يحدث الناس عن هذا الإسكافي الذي غير الله به مصير الأمة لا لشيء إلا لأنه قدم حاجة مسلمة على رغبته الشخصية.
وسرعان ما انتشرت القصة وتناقلها الناس وفي كل بلد كان الناس يسألون
أين المسلمون من أمثال
أين الذين يكنزون المال ويعيش إخوانهم في الخيام!
كم منا حج واعتمر ثم عاد ليشتم الفقراء ويتكبر على الضعفاء!
كم من غني لم يسأل عن الأرامل ولا عن الجوعى!
صار موقف موفق حديث المجالس ودرسا مفتوحا في العطاء ورسالة خالدة تقول
ليس الحج لمن يطوف بل لمن يرحم
وليس القرب من الكعبة أعظم من قرب القلب من الضعيف
بعد سنوات توفي موفق ومات موتة هادئة في ورشته البسيطة دون أن يقام له تمثال أو تكتب عنه الأخبار لكنه مات وقد كتب الله اسمه في سجل خاص
عباد أحبهم الرحمن لم يكونوا من المشاهير ولكن كانت قلوبهم بوابة للجنة.
ودفن موفق بين الناس العاديين لكن الملائكة كانت تعرف من هو.
وفي الليلة التي توفي فيها رأى أحد الصالحين رؤيا أخرى
رأى الناس يطوفون في السماء والملائكة تقول
اليوم تفتح أبواب الجنة لرجل قضى عمره في تصليح أحذية الناس وفي إصلاح قلوبهم دون أن يدري.
يا قارئ هذه القصة
هل تعلمت
هل فكرت في أموالك التي تذهب للترف ونسيت بها أرملة على باب بيتك
هل تدري أن الله قد يرفعك بسبب لقمة تسد بها جوعا أو كلمة تفرج بها كربا
في زمن كثر فيه المتدينون وقلت فيه الرحمة كان الإسكافي هو الأصدق.
لم يحمل المصحف في جيبه بل حمل الرأفة في قلبه.
لم يحج لكنه أطعم جائعا كاد يموت.
لم ير على قنوات لكنه شوهد من فوق سبع سموات.
هل تعرف جارتك
هل تعرف حال الأرامل من حولك
هل تعرف كم يتيما ينتظر رغيفا واحدا
هل تعلم أن أما تنام الآن بجوار أبنائها وهي تبكي لأنها لا تملك عشاءهم
افتح قلبك
قبل أن تفتح محفظتك
واسمع بنداء الله قبل أن تسمع صوت هاتفك
ولا تقل ما بيدي حيلة بل قل ربي اجعلني سببا في فرج عبد من عبادك
ليس الإيمان بالهيئة ولا بالعمامة ولا بالثوب بل الإيمان أن ترى أخاك في شدة فلا تتركه.
إن كنت تريد أن يقال عنك يوم القيامة
قبل حج فلان بسببك
فاعلم أن باب القبول أحيانا يبدأ