كنت حاجا لبيت الله الحرام
في ليلة من ليالي منى كنت حاجا إلى بيت الله الحرام وقد أكرمني الله بالوصول إلى هذه الأرض الطاهرة بين ملايين الحجاج الذين أتوا من كل فج عميق يلبون نداء إبراهيم ويقفون على صعيد عرفات باكين خاشعين يطلبون مغفرة الرحمن.
بعد يوم طويل من المشي والطواف والابتهال تمددت على الأرض في خيمتي وغفوت تحت سماء منى الصافية. كان الليل هادئا إلا من همسات الدعاء وصوت التكبير المتردد بين الجبال.
وفي تلك الغفوة رأيت رؤيا لن أنساها أبدا رؤيا أشعلت في قلبي نارا لا تنطفئ وأطلقت في روحي سعيا لم أتوقعه
رأيت رجلين يلبسان البياض يجلسان عند رأسي في منى يتحدثان همسا. أحدهما بدا وكأنه يعلم الغيب والآخر يسأله باهتمام
أتدري كم حاجا قبل الله حجه هذا العام
رد الآخر متعجبا
لا أدري ولكن لا بد أن يكونوا كثرا فالمكان يعج بالمؤمنين والناس تدعو وتبكي وتتضرع.
بل القليل فقط هو من كتب له القبول لكن الله برحمته قبل حج الجميع بسبب رجل واحد لم يحج أصلا!
سأله في دهشة
ومن هذا وأين هو وكيف يكون السبب وهو لم
أجابه
إنه الإسكافي رجل في بلاد الشام فعل عملا خالصا فرفعه الله ورفعت معه أمة بأكملها
ثم اختفيا من أمامي واستيقظت وأنا ألهث والدموع على خدي.
لم أعد أفكر بشيء بعد تلك الرؤيا لم أشغلني قبول حجي ولا منى ولا عرفات بل صار كل همي أن أجد هذا الإسكافي لأفهم من هو وما الذي فعله ليقبل حج الآلاف بسببه!
انتهيت من الحج وعدت إلى بلدي في العراق لكن القلب ما عاد مرتاحا. الرؤيا علقت في ذهني وكأنها رسالة لا تحتمل التأجيل. سألت العلماء واستشرت الصالحين فكلهم قالوا لي اذهب وابحث عنه فربما جعلك الله شاهدا على رجل رفع الله به أمة.
فشددت الرحال إلى الشام وكان السفر طويلا شاقا وكنت أبحث في كل قرية وكل سوق عن إسكافي قد فعل عملا صالحا لكن لا أحد يعرف شيئا.
مضت أيام وربما أسابيع وأنا أبحث وأسأل. بدأت أشك في نفسي أكنت واهما أكانت
الرؤيا مجرد حلم لكن القلب كان يقول لي استمر إن وراء هذه القصة سرا عظيما.
وفي يوم من الأيام كنت في سوق دمشق أسأل أحد الشيوخ فدلني على ورشة صغيرة
هرعت إلى المكان فوجدت رجلا بسيطا يجلس القرفصاء أمام طاولة خشبية تصلح عليها أحذية بالية. نظر إلي وابتسم ابتسامة تعب لكن فيها شيء من النور.
قلت له
يا عبد الله هل حججت هذا العام
قال بهدوء
لا لم أحج.
قلت له
وما منعك
نظر إلي مستغربا ثم قال
لم تسأل
قلت له
إن قصتك وصلت إلى مكة أخبرني بخبرك وسأخبرك بخبري.
تنهد موفق ثم مسح يده بقطعة قماش وجلس على حجر قديم بجوار المحل وقال
منذ عامين وأنا أجمع القليل من المال من عملي المتواضع لأحج. كنت أحلم كما يحلم كل مؤمن أن أقف عند الكعبة أن ألبس الإحرام أن أدعو عند زمزم أن أمشي في خطى الأنبياء.
وفي هذا العام كدت أتم المبلغ. كنت في غاية السعادة اشتريت قماش الإحرام وجهزت حقيبتي الصغيرة بل وبدأت أعد الأيام.
لكن في ليلة من الليالي تغير كل شيء.
كنت راجعا إلى البيت وقد اشتريت لزوجتي بعض الطعام وكانت حاملا
أخذت الإناء وذهبت إليها. طرقت الباب فخرجت المرأة وكانت منهكة باهتة الوجه. قلت لها بلطف جئتك بطلب زوجتي حامل وقد اشتهت من طعامك إن كان لديكم فضل قليل.
فقالت لي بكلمات لن أنساها ما حييت
يا موفق إنه لا يحل لكم.
قلت لم
قالت لأنها شاة ميتة. لقد نفقت شاة عند أحدهم فرموها في الطريق ومر عليها يومان وأنا وأطفالي لم نذق طعاما منذ يومين. خشيت عليهم من الجوع فقطعت منها جزءا وشويته لهم.
سكت موفق ثم قال بصوت مرتجف
يا أخي شعرت أن الأرض تهتز من تحتي.
كيف سأحج وأنا لم أر من حولي! كيف أجمع المال للنفقة على نفسي وهناك من يطبخ الميتة لإطعام أطفاله!
عدت إلى بيتي وأنا أبكي وأخبرت زوجتي فبكت هي الأخرى وقالت والله لا نرضى أن نذهب إلى الحج وأولاد جارتنا يأكلون الحرام اضطرارا!
أخذت المال كله وذهبت إلى الأرملة وقلت لها هذا مال الحج هو لك ولأطفالك.