ليلة مع جثة قصة محمد شعبان
وحتى لو فاتت.. فهي هتفوت ببطء ومش هتخلص على خير..
فضلت اسب والعن في التليفون وفي راضي وفي اللي قدم البلاغ بس كل ده كان بيحصل وانا باصص للراجل ومركز معاه لكني في ثانية ماخوفتش من الراجل ولا من شكله..
انا خوفت من حاجة لما سمعت من ورايا او بالتحديد يعني من ناحية السرير اللي كان تحت الشباك صوت حركة..
وكأن حد نايم وعمال يتقلب على السرير!
لحظتها مابقتش عارف اعمل ايه هل ابص ورايا واشوف مين اللي على السرير ولا افضل مركز مع الراجل اللي انا متأكد اني لو بصيت لأي مكان تاني ورجعت بصيتله أكيد هيتحرك او هيعمل مصيبة ماكنتش عارف انا وقتها بفكر كده ازاي.. هو الراجل عايش اصلا عشان يعمل او مايعملش انا مش لازم اخاف.. وبعدين هو انا لو هخاف هخاف من ميت لا بيأذي ولا بيتحرك بس لأ.. ده بيتحرك ايوة انا شفت إيديه اتحركوا من شوية بس لا لا.. أكيد دي تهيؤات لا لا لا.. مش تهيؤات.. انا متاكد ان انا سمعت وشفت إيديه لما نزلوا واترفعوا تاني لوحدهم...
لكن بسرعة قطع تفكيري وكلامي بيني وبين نفسي صوت الشباك وهو بيترزع فبصيت بسرعة ناحية الشباك غصب عني عشان في اللحظة دي ومع لفتي نور الأوضة كله ينطفي..
او بمعنى أوضح يتقطع....
سكوت صمت ضلمة ثواني من الترقب وانا باصص ناحية الشباك عدوا عليا سنين لفيت بعدهم بالراحة وبصيت ناحية الحمام اللي انتبهت لنوره الحمام بس هو اللي كان منور على عكس كل الأوضة اللي النور اتقطع فيها بس الأبشع والأفظع من ده كله بقى كان أحساسي بأن جسمي متكتف ولساني معقود وتفكيري واقف انا بس كنت متفرج او مشاهد اللي بيحصل قصاد الحمام.. ايوة انا شفت قصاد الحمام اتنين رجالة واقفين كان واحد منهم هو نفس الراجل الميت.. واللي بالمناسبة يعني كان لسه موجود زي ماهو على الكرسي وقصاده كان واحد تاني شبهه بس عنده شعر اه ما انا نسيت اقولك إن الميت كان اصلع بس مش ده المهم.. المهم إن
طب قولي اعمل ايه طيب.. انا المرض بينهش في جسمي وده شيء غصب عني طب بص.. انا مستعد اعمل اي حاجة بس تديني فلوس مستعد انزل اشتغل عندك وامسحلك بلاط المحل بس ابوس إيدك اديني أي فلوس عشان اروح اخد جلسة العلاج يا اخويا.
لكن دموع الراجل وكسرته ماهزوش شعرة في اللي كان واقف قصاده بل بالعكس.. ده رد عليه بكل جبروت وعجرفة..
بطل بقى شغل الشحاتة والتسول ده الناس كلت وشي..
انت بتستغل مرضك وبتشحت من الناس فلوس ومصغرني وسطهم وكل ده مش مكفيك يا أخي.. لأ ده انت كمان بتشحت مني ومفكر ايه بقى.. مفكر انك هتصعب عليا وهطلعلك قرشين زي الغلابة اللي بتضحك عليهم لا يا ابن امي وابويا انا مش عبيط ولا بريالة عشان اديك فلوس وتروح تشتري بيهم ترمادول..
اتعصب الراجل وقال له بحزن اكبر..
وانا كنت بتنيل باخده ليه يعني.. مش عشان يسكن لي الألم بدل الجلسات اللي انا مش قادر على تمنها وبمشي فيها على سطر وبسيب سطرين يا أخي انت ايه.. مابتحسش اقسملك بالله انا كل ده غصب عني مش ذنبي اني بقيت مريض سرطان ولا ذنبي إني اتولدت لقيت نفسي من صغري جسمي ضعيف ومش قادر على الشغل..
زقه الراجل المتعجرف ده وخرج من المشهد وراح ناحية باب الأوضة اللي سمعت صوته وهو بيترزع بكل قوة ومع رزعة الباب النور رجع من تاني عشان اشوف قصادي مشهد غريب.. انا كنت واقف في نفس الأوضة وقصادي كان قاعد على نفس الكرسي نفس الراجل الاصلع بس ماكنش ميت ولا كان في صدره السكينة اللي منتحر بيها هو كان عايش وقاعد على الكرسي وباصص ناحية الشباك وبيقول بصوت عالي وهو بيعيط..
يارب.. يارب انا خلاص مابقتش قادر انا من يوم ما وعيت على الدنيا وانا عيان وجسمي ضعيف يعني لا قدرت اشتغل ولا اهلي الغلابة قدروا يخلوني اكمل تعليمي انا مش ذنبي يارب.. مش ذنبي اني طلعت لقيت اخويا ربنا كارمه من شغله وفاتح محل وعنده
وبعد ما الراجل قال كده قام من مكانه ببطء شديد مشي كام خطوة بالعافية ومسك ورقة كانت على الترابيزة وقلم وكتب الكلام اللي كان
مكتوب على الورقة اللي شوفتها وقت المعاينة الأولية وبعد كده مسك السكينة اللي كانت جنب الورقة وكمان لساني اتفك وبقيت قادر اتكلم.. وقتها بقى ماحستش بنفسي إلا وانا بخرج جري من الأوضة وبقعد على السلم السلم اللي بمجرد ما خرجت وقعدت عليه اكتشفت إن فعلا النور مقطوع في العمارة كلها وده شيء مش غريب يعني لأن الكهربا بقت تتقطع كتير في الفترة دي بس حتى لما النور رجع انا فضلت برضه قاعد على السلم ومادخلتش لحد ما الأمين راضي رجع وبص لي باستغراب وانا قاعد على الأرض..
ايه يا باشا.. ايه اللي مقعدك على السلم بالميري كده!
رفعت راسي وبصيتله بقلق وانا مش قادر اتمالك أعصابي..
انا مش هدخل تاني.. مش هدخل ولا حتى هبص على جثة الراجل ده تاني ونصيحة مني خليك قاعد جنبي لحد ما النيابة تيجي.
اداني راضي القهوة وطبعا لما سألني عن اللي خلاني اقوله كده حكيتله على كل حاجة حصلت معايا جوة وماكنش غريب بالنسبة لي إنه يصدقني.. ومش بس يصدقني ده كمان قال لي إن الأموات اه ساكتين
فضلت ارغي انا وراضي عن الأموات وعن شغله من زمان في المنطقة وعن إنه شاف حالات انتحار كتير وفضلنا نضيع في الوقت لحد ما النيابة جت وعاينت المكان وخدوا الجثة والمدهش والغريب بقى إن بعد كده ومن خلال التحقيقات عرفت إن الراجل ده كان مريض فعلا وحالته المادية كانت شبه معدومة لأنه ماكنش بيقدر يشتغل بسبب مرضه وكمان عرفت إن اخوه راجل مقتدر ومعاه فلوس وماكنش بيساعده بسبب إنه راجل بخيل ومش كده وبس.. دي الأوضة اللي المنتحر كان عايش فيها كانوا أهالي المنطقة بيلموا له حق إيجارها وهم كمان اللي جابوا له عفشها وجمعوه مع بعض من بيوتهم وده فسرلي شكل الكرسي الفخم اللي كان قاعد عليه.. اكيد حد كان مدهوله من عنده زي بقية العفش وكمان اللي عرفته من التحقيقات فسرلي بشكل كامل سبب انتحاره بالشكل ده بس الأهم من ده كله بقى إنه فسرلي حاجة مهمة اوي في نفس البشرية ألا وهي الضعف.. احنا ضعاف اوي ضعاف لدرجة إننا عاملين زي فرع الشجرة اللي محتاج حد يسنده عشان يفضل عايش ومايقعش..
بس تعرف يا صديقي إن التجربة ماكانتش بالبساطة اللي انت قريتها دي التجربة حقيقي كانت مرعبة ومفزعة لأني عيشتها بجد ومهما كتبت او قلت.. فانا مستحيل اقدر اوصفلك احساسي بالخوف والرعب يومها او احساسي بالتعب والأرهاق بعدها بسبب قلة النوم والكوابيس اللي بقت تقريبا ملازماني لمدة ٣ أيام.. وفي الحقيقة انا مريت بعد كده بحالة نفسية سيئة جدا ماخرجنيش منها غير انشغالي مع شغلي ومن بعده الجواز بس انا اهو.. افتكرت الحكاية بعد سنين وحكتهالك لعلها تكون عظة او سبب في إن حد مايبخلش على أي حد بمساعدة ولحد هنا اقدر اقولك إن جايز جدا حكايتي دي تكون هي الرسالة اللي الراجل كان قاصد يوصلها لما خلاني اشوف معاناته
تمت...