عاشق من عالم اخر بقلم حور حمدان

لمحة نيوز

 

بعد لحظة صمت، نطق بصوت هادي لكنه تقيل بالحزن:

“كنت… كنت إنسان زيك. كان عندي حياة… كان عندي أحلام… وكان عندي سبب أعيش عشانه.”

وقفت مكاني، مبهورة بكلامه… بس قلبي بدأ يحس بحاجة غريبة، كأن كلامه بيوجعني رغم إني مش فاهمة ليه.

سألته بصوت مهزوز: “إيه اللي حصل؟”

بص بعيد للحظة، كأنه بيتذكر حاجة بتوجعه، وبعدها رجع عيونه لعيني… كانت نظرته محملة بوجع قاتل.

“أنا مكنتش عايز أموت.”

شهقت، جسمي كله اتقشعر.

“إيه؟!”

هزّ راسه، ابتسامته كانت حزينة جدًا، كأنها بتحمل معاني أكتر من اللي بيقولها.

“كنت فاكر إني في أمان… كنت في البلكونة فوق، بهزر مع اختي… وفاجأة، لقيت نفسي واقع.”

سكت لحظة… سكوته كان قاتل أكتر من الكلام.

“وقعت… ومت. بس مش بالكامل. مكنتش عارف ليه روحي لسه هنا… ليه مقدرتش أمشي. لكن دلوقتي… أنا عرفت.”

نظرته ثبتت عليّ… بعيون مليانة بشيء غريب، شيء مخيف… لكنه دافي.

مشيت خطوة ورا غصب عني، رغم إن قلبي كان بيدق بطريقة غريبة.

“ليه… عرفت إزاي؟”

همس بصوت بالكاد سمعته، لكنه لمس حاجة جوايا من غير ما أفهم:

“لأنك جيتي… لأنك هنا.”
كلمته علقت في دماغي… "لأنك جيتي… لأنك هنا."

إيه اللي يقصده؟ أنا إيه علاقتي بكل ده؟

حسيت برجفة برد، مش بسبب الجو… بسبب الطريقة اللي كان بيبصلي بيها، كأنه كان مستنيني طول عمره… كأنه

كان عارف إني هاجي هنا.

بلعت ريقي بصعوبة وقولت :

“إنت تقصد إيه؟ إيه علاقتي أنا بكل اللي حصل لك؟”

مشيت خطوة ورا، 

ابتسامته كانت خفيفة، لكن فيها غموض:

“مش يمكن تكوني السبب؟”

حاجبيي ارتفعوا بدهشة. “أنا؟ إزاي؟! أنا حتى مش كنت أعرفك قبل كده!”

هزّ رأسه ببطء، كأنه متوقع ردّي، وبعدها قال بصوت هادي لكنه عميق:

“بس أنا كنت أعرفك.”

قلبي وقع.

حسيت برجلي بتترج، وكأن الدنيا بتلف حواليّ. إزاي… إزاي يكون يعرفني؟!

رعشة عدت في جسمي، حسيت بخوف مش مفهوم، بس في نفس الوقت… حاجة تانية بدأت تطلع جوايا، حاجة مش خوف… حاجة أقرب للانجذاب.

 وهمس:

“أنا شوفتك قبل ما أموت… كنت آخر حاجة شافتها عيوني قبل ما أقع.”

شهقت، دماغي حاولت ترفض الكلام، لكنه كان بيقولها بثقة، بثبات، كأنه متأكد من كل كلمة.

هو شافني…؟ بس إزاي؟ أنا حتى مكنتش أعرف إنه موجود!

حاولت أجمع نفسي، بس هو قرب أكتر… لمسته عدت على إيدي، وكانت دافية، كانت حقيقية، كانت… مختلفة.

“دلوقتي عرفت ليه فضلت هنا… كنت مستنيك، عشان أقولك.”

همست، صوتي بالكاد مسموع:

“تقول لي إيه…؟”

بص لي بنظرة طويلة، نظرة مليانة بمشاعر غريبة…

“إني وقعت… وأنا ببص عليك.”
وقعت… وأنا ببص عليك.

كلمته فضلت تلف في دماغي، كأنها بتدق على حاجة جوايا، حاجة غريبة… مش خوف، مش قلق… لكنها وجع.

بلعت

ريقي بصعوبة، وحاولت أتمالك أعصابي.

“إنت بتتكلم كأنك كنت تعرفني… بس ده مستحيل! أنا حتى مكنتش هنا لما… لما حصل اللي حصل لك.”

ابتسم، ابتسامة خفيفة، لكنها كانت كلها حزن وحنين… وكأنها ابتسامة حد عارف الحقيقة اللي أنا لسه مش مستوعباها.

“بس أنا شوفتك… كنتِ هناك… واقفة عند المحل اللي جنب العمارة، كنتي بتضحكي مع صحبتك، وكنتِ لابسة حاجة لونها أحمر.”

شهقت…

إزاي…؟!

أيوه… أنا كنت هناك، يومها كنت راجعة من الكلية، وقفت مع صحبتي شوية قدام المحل اللي تحت العمارة… بس… إزاي هو كان شايفني؟

رفعت عيني له بصدمة… بس الصدمة زادت لما لقيت ملامحه اتغيرت.

كان بيتألم… عيونه كان فيها حاجة غريبة، حاجة… وجع مدفون.

“أنا كنت فوق… واقف في البلكونة… كنت ببص عليكِ… ووقتها…”

اتوقف، كأنه مش قادر يكمل، كأنه بيفتكر حاجة بتخنقه.

رفع عيونه ليّ… وبصوت ضعيف، همس:

“وقتها وقعت وانا ببص عليكِ مش عارف ازاي، بس آخر حاجة شفتها قبل ما جسمي يرتطم بالأرض… كانت أنتِ.”

الهوا اتحبس في صدري.

أنا كنت آخر حاجة شافها… قبل ما يموت؟!

حسيت بشيء غريب، حاجة خلت عيوني تمتلئ بالدموع رغم إني مش فاهمة ليه… وكأن في رابط مش مفهوم بيني وبينه.

كأنه مش لازم يكون موجود، لكني كنت حاسة بيه.

كأنه كان حي… حي معايا.

همس بصوت هادي لكنه مليان بمشاعر غريبة:

“لو كنت أعرف…

إنك هتكوني السبب إني أفضل هنا… كنت فضلت أبص عليك العمر كله.”

اتجمدت… قلبي ضرب بقوة… كان فيه شيء… شيء مش طبيعي بيحصل بيني وبينه.

كانت اللحظة دي… اللحظة اللي حسيت فيها إني وقعت في حاجة ملهاش مخرج.

وقعت في حب روح… روح مش من الدنيا دي، مش من العالم ده.

لكني مقدرتش أوقف نفسي.
عدى شهرين ع اليوم دا

طول الأيام اللي فاتت، كنت بحاول أفهم حكايته، كنت بشوفه كل يوم، بسمع صوته، بحس بلمسته… كنت بحبه… رغم كل حاجة.

كنت عارفة إنه مش طبيعي، مش إنسان… لكني كنت متأكدة من حاجة واحدة:

إنه حقيقي بالنسبة لي.

وفي الليلة دي… الليلة اللي عرفت فيها الحقيقة كاملة… كنت حاسة إن النهاية قريبة.

كان واقف قدامي، عيونه السودا فيها ألف كلمة، ألف وجع، ألف حب.

“إنتِ عارفة إني مقدرش أبعد… حتى لو حاولت.”

همست، صوتي كان بيترجف: “ليه أنا…؟ ليه كنت مستنيني أنا؟”

“عشان أنا مت وأنا ببص عليكِ… كان لازم أكمل اللي بدأته، كان لازم أكون معاكي… للنهاية.”

شهقت… فهمت… فهمت كل حاجة.

هو كان مستنيني… مش عشان يعيش معايا… لكن عشان ياخدني معاه.
حسيته ملموس… حقيقي… دافي… حي!

لكن الحقيقة المرعبة نزلت عليّ زي الصاعقة…

هو مكنش اللي بقى حي… أنا اللي كنت بموت!

حسيت بجسمي بيتراخى، أنفاسي بتتبخر، الدنيا بتدور…

لكن الغريب؟ مكنتش خايفة.

كنت حاسة إني… متطمنة.

صوته كان آخر حاجة سمعتها قبل ما كل حاجة تختفي:

“مفيش داعي للخوف… إحنا دلوقتي سوا… وهتفضلي معايا… للأبد.”

غمضت عيني… للأبد.

عاشق_من_عالم_أخر
حكاوي_كاتبة 
حور_حمدان

تم نسخ الرابط