قلوب طاهرة

لمحة نيوز

- أبوس إيدِك إبني لو ماخدش حقنة الأنسولين دلوقتي هيموت.
- ما يموت ياختي ولا يتنيل، مش أحسن ما عيالي هما اللي يموتوا من الجوع بسبب طلباتك الكتير أنتِ وإبنك!

"صوت موبايل أمي كان عالي أوي وقتها وللأسف سمعت الحوار بينها وبين جارتنا*

في اليوم ده كان كل شوية يُغمى عليا ووشي كان أصفر أوي، وحرفيًا لو ماخدتش حقنة الأنسولين هموت، ولما طلبت مِن أمي تجيبلي الحقنة لاقيتها بتعيط وبتقول إن كل اللي في البيت عشرة جنية، ويادوب تكفي إخواتي أكل وإنها هتكلم جارتنا وهتطلب منها سلف لحد ما ربنا يفرجها.
بعد شوية لاقيت أمي جاية ناحيتي بتمسح فى دموعها وقالت:
- يومين بس يا حبيبي والحقنة هتكون معانا، استحمل علشان خاطري.
وبدأت تمسح بإيدها على شعري، وهي بتنادي بصوت عالي وبتقول:
- "إفرجها من عندك يااااارب".

" الحقيقة كان نفسي أكبر وأساعد أمي وأصرف علي إخواتي، أشوفهم بيتعلموا أحسن تعليم وبياكلوا أحسن أكل، بس لسبب ماعرفوش إتولدت لاقيت نفسي مريض سُكّر، والحال كان على قده أوي وهي حاجة مِن الإتنين، يا أتعالج وإخواتي يموتوا من الجوع، يا إمّا......"
للأسف طفل زيي في السن ده الدنيا مادتلوش غير اختيار واحد بس وقبل ما أرمي نفسي من الدور الرابع كان آخر حاجة عيني شايفاها إخواتي وهما بيرجعوا دروسهم من تاني بعد ما فلوس علاجي كلها تروحلهم، وأشوفهم بيكبروا وييتعلموا، وإني مش هكون حاجز واقف قُدام حياتهم.

" وهي دي الحقيقة اللى ماحدش هيفهمها، أنا كان كُل حلمي أشوف نفسي عايش مش مُجرد شخص علي قيد الحياة

بيعد أيام وخلاص، والمكان الوحيد اللي هلاقي نفسه فيه عايش لما أشوف اللي حواليا مش متأذيين ولا بيعانوا بسببي."

"وفى اللحظة دي بالتحديد إتولدت المُعجزة"

خدت نفسي طوييييييل وغمضت عيني علشان أرتاح بعد يوم مليان تعب وصوت جوا دماغي سمعته بيقول:
- "على السادة الرُكاب أصحاب القلوب الطاهرة ربط الأحزمة وعدم التفكير مُطلقًا فى الهبوط، ستبدأ رحلتنا إلى الجنة الآن وستدوم سنين طويلة وتحديدًا حتىٰ الموت".

= لسه فيه حالات تانية يا كريمة!
" لاقيتها بتبتسم"
- حالة واحدة بس يا دكتورة.. ست كبيرة ومعاها بنتها.
= تمام خليهم يدخلوا.
" الست كانت كبيرة جدًا وضريرة مابتشوفش، ماسكة فى إيد بنتها وجايين ناحيتي بهدوء، لون بشرتهم كان أسمر زي جمال عيون الليل اللى بيخطف القلب"
وفجأة لاقيت الأم بتقول:
- حضرتك الدكتورة شروق العربي ولا اللي دلنا على العنوان ضحك علينا يا بنتي! 
= لا أنا يا أمي إتفضلي استريحي.
" لاقيت جسمها اتنفض وإيدها بدأت تِرتعِش"
- أنتِ اللى بتعالجي الغلابة ببلاش!!
" عيني بدأت تدمّع"
= كلنا غلابة والله، الغِنىٰ غِنىٰ النفس.
" ومرة واحدة لاقيتها وطت على الأرض"
- أبوس رجلِك يا بنتي أنا جايالك من أسوان، ودي بنتي الوحيدة وعيني اللي بشوف بيها، السكر بينهش في لحمها ولو حصلها حاجة هعيش عمري كله مكسورة، أنا عِشت عُمر كامل كفيفة لحد ما جاتلي وبقت عيني اللي بشوف بيها، فماتحرمينيش مِن نعمة البصر تاني.

" جريت عليها وبدأت أسندها وأقومها لحد ما قعدتها على الكرسي بمساعدة بنتها،

وقعدت قُدامهم، لاقيت بنتها بتبصلي بـ استغراب لحد ما قالت:
- إزاي دكتورة فى مكانك خدت جوايز كتير عالمية لحد دلوقتي فاتحة عيادة كشفها وعلاجها مجاني!!
" ابتسمت وافتكرت وجع قديم وقُلت:
= مين قالك إن علاجي ببلاش!
" التوتر ظهر على وش الأم فكمّلت كلامي"
= أنا علاجي المُقابل بتاعه دعوة لأخويا الله يرحمه، مات وهو صغير بسبب السكر.
ومرة واحدة سمعت أجمل حاجة سمعتها في حياتي خارج من لسان الأم وهى بتقول:
- أنا دلوقتي فى مِحنة زي مِحنة يونس وهو لوحده فى بطن الحوت، فـ ورب العِزة لو خرجتيني مِنها لأفضل أنا وبنتي ندعيلك أنتِ وأخوكي لحد الموت.

" ساعتها حسيت بفرحة أهل الجنة وهي بتحيي كل حتة ماتت أو إتوجعت في قلبي، وإفتكرت نفسي زمان بعد ما اخويا ضحّىٰ بنفسه علشاننا، وإن من بعدها أنا وإخواتي كلنا إجتهدنا علشان بس نعمِلُه حاجة..
إتعلمنا أحسن تعليم أنا دخلت طب والإتنين التانيين دخلوا صيدلة، بقيت أنا أعالِج الناس وأطبطب على قلوبهم وهما عندهم شركات أدوية بقوا يدوا الدوا بالمجان، وهو ده جزاء الإحسان.
أنا صحيح أخويا مات زمان، بس لحد دلوقتي اسمه عايش على كُل لسان.
كبرت وإتخرجت من كلية الطب جاتلي مِنحة لدراسة الدكتوراة فى ألمانيا أخدت فيها امتياز مع مرتبة الشرف واشتغلت هناك فترة كبيرة جدًا بس فى الآخر قررت أرجع للبلد اللي روحي فيها، بلد الغالي وكل عزيز، بس المرة دي لما رجعت رجعت حاجة كبيرة أوي، الناس بتجيلها مِن كُل حتة فى الجمهورية، وبدعم مِن الدولة وبمساعدة إخواتي قدرنا نوفر علاج مجاني

لكُل مريض سكر.

الحياة حقيقة صعبة ومليانة مطبات ولو إدتنا يوم حلو هنعيش قُدامه ١٠٠ وحشين وسواء عِشنا ١٠٠ سنة أو عِشنا حتى عشرين، فى الأول والآخر كُلنا بنى آدمين، والقانون الراسخ فى كُل زمان إن كُل من عليها فان، فـ لحد ما ييجي اليوم ده خليك متأكد إن الجنة تستاهل كُل الصبر اللى أنت فيه دلوقتي ده.

أنا حلمي كان بسيط جدًا وهو إني ماشوفش طفل بيتوجع من المرض ولا أم قلبها ييموت من الوجع على ضناها.
والأيام تِعدي وتزيييييد
وأنا مكمّلة فى طريق الخير سنين وسنين لحد ما جه اليوم اللى كُنت منهارة فيه من العياط لما افتكرت أخويا وكل اللي التضحية اللى عملها علشان أنا وإخواتي نوصل لكل اللى إحنا فيه دلوقتي، ومحطوط قُدامي على المكتب جورنال وفى أول صفحة فيه مكتوب بالخط الإسود العريض.
" تعيين الدكتورة شروق العربي، كـ وزيرة لوزارة الصحة المصرية، ولأول مرة فى تاريخ مِصرنا العزيزة وبـ إتحاد ومشاركة من جميع دول الوطن العربي افتتاح ١٠٠ شركة أدوية مجانية بدعم مِن جميع المُقتدرين لمُعالجة كل المَرضىٰ فى شتىٰ المجالات الطبية، وتِلك المُبادرة تحت مُسمىٰ 'الخالد' تكريمًا وتخليدًا للأستاذ خالد العربي شقيق معالي الوزيرة شروق العربي".

مسحت دموعي وناديت على كريمة وقولتها:
- إبدأي دخلي فى الحالات بتاعت النهاردة يا كريمة.
" وقُدامي صورة أخويا متعلّقة على الحيط وحاجة جوايا بتقول:

"على السادة أصحاب القلوب الطاهرة عدم فك الأحزمة وعدم التفكير مُطلقًا فى الهبوط، ما زِلنا في رحلة الوصول إلى الجنة

 وستدوم رِحلتنا سنين طويلة وتحديدًا حتىٰ الموت".

 

تم نسخ الرابط