يوم طلاقي
رجعت للورقة.
وفي آخرها كان فيه سطر واحد بس
اسألي حمدي عن اليوم اللي اختفى فيه الملف.
رفعت عيني له.
أي ملف؟
حمدي بلع ريقه.
ما ردش.
كررت السؤال
حمدي... إيه الملف اللي اختفى؟
ساعتها الرجل الكبير قال
ملف كان ممكن يثبت إنك اتظلمتي.
أنا حسيت إن نفسي انقطع.
يثبت إيه؟
الرجل بص لأبويا.
أبويا أخد نفس طويل وقال
يثبت إن الطلاق اللي حصل... كان آخر خطوة في خطة بدأت من زمان.
أنا بصيت له في رعب
خطة مين؟
وقبل ما أبويا يرد...
اتسمع صوت خبطة قوية من ناحية باب البيت.
الناس كلها لفتت.
واحد من الجيران دخل وهو بيجري
يا حاج! في عربية وقفت تحت البيت، وفي ناس بيسألوا على نوال!
صلاح اتحرك فورًا ناحية الباب.
وبص لأبويا.
أبويا قال له
دلوقتي.
صلاح هز راسه.
ولأول مرة شفت على وشه ملامح مختلفة تمامًا...
ملامح واحد كان مستني اللحظة دي من سنين.
وقبل ما يخرج، رجع وبص لي وقال
خلي الظرف معاكي... ومتديهش لأي حد.
وبعدين بص لحمدي
خصوصًا هو.
حمدي وقف مكانه.
أما أنا...
فكنت ماسكة الظرف في إيدي، ومش عارفة مين أخاف منه أكتر
الناس اللي تحت البيت...
ولا الحقيقة اللي لسه ماعرفتهاش صلاح نزل السلم بسرعة، والناس كلها فضلت واقفة مكانها.
أنا قربت من باب الشقة، لكن أبويا مسكني من إيدي.
متخرجيش يا نوال.
مين الناس اللي تحت يا بابا؟
سكت.
بابا، أنا تعبت من الأسرار! عايزة أفهم اللي بيحصل.
قبل ما يرد، سمعنا صوت صلاح من تحت
محدش يطلع فوق!
وبعدها صوت راجل غريب
إحنا جايين ناخد حاجة تخصنا.
قلبي وقع.
حمدي اتحرك ناحية السلم.
أبويا وقف قدامه
رايح فين؟
حمدي قال بعصبية
هشوف مين دول.
صلاح ظهر فجأة على السلم، وراه راجلين.
بص لحمدي وقال
إنت بالذات هتفضل هنا.
حمدي اتوتر
إنت مالك بيا؟
صلاح رد بهدوء
عشان لو نزلت، الناس اللي تحت هتعرف إنك موجود هنا.
حمدي سكت.
أنا بصيت لصلاح
إنت تعرفهم؟
أيوه.
مين دول؟
صلاح بص لأبويا، وبعدها قال
ناس كانوا بيدوروا على الظرف.
أنا حضنت الظرف لصدرى.
ليه؟
الرجل الكبير اللي كان واقف جنبي قال
لأن اللي مكتوب جواه ممكن يفتح قضية قديمة اتقفلت من غير ما الحقيقة تظهر.
حمدي قال بسرعة
مفيش قضية!
الرجل رد
يبقى ليه خايف؟
حمدي سكت.
أنا بصيت له.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قربت منه وقلت
إنت كنت عارف الظرف ده؟
لا.
كداب.
رفع صوته
قلت لك معرفوش!
صلاح ضحك وقال
لو مش عارفه... ليه أول ما شفتيه وشك اتغير؟
حمدي ما لاقاش رد.
وفجأة أمه تدخلت
إنتوا عايزين إيه من ابني؟! كفاية ظلم بقى!
الرجل الكبير بص لها وقال
إحنا مش عايزين منه حاجة.
وبص لي
إحنا عايزين نوال تعرف الحقيقة.
أخته قالت بخوف
حقيقة إيه؟
الرجل رد
الحقيقة اللي خلت أخوكي يوافق على الجواز وهو عارف إنه مش هيكمل.
أنا اتصدمت.
بصيت لحمدي.
يعني إيه؟
حمدي نزل عينه في الأرض.
أنا قربت منه
إنت كنت عارف من البداية إنك هتطلقني؟
فضل ساكت.
صرخت
رد!
أبويا قال
خليه يرد.
حمدي رفع عينه أخيرًا.
وقال بصوت منخفض
أنا مكنتش عايز أطلقك.
سكت لحظة.
ثم أضاف
بس كنت مجبور.
أنا اتجمدت.
مجبور من مين؟
حمدي فتح بقه عشان يرد...
لكن أمه قاطعته بسرعة
متقولش أي حاجة!
وهنا فهمت إن السر مش عند حمدي لوحده.
السر كان عند أمه كمان.
وبينما كلنا واقفين في صمت، سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة من تحت البيت.
صلاح بص من الشباك وقال
الناس اللي تحت مشيوا.
الرجل الكبير رد
لأ... هما مشيوا لأنهم عرفوا إن الظرف وصل لنوال.
أنا مسكت الظرف بقوة.
يعني إيه؟
قال
يعني من اللحظة دي... لازم تعرفي كل حاجة قبل ما حد يحاول ياخده منك.
ثم مد إيده ناحية الظرف وقال
بس افتحي آخر ورقة لوحدك.
ليه؟
بص لحمدي وأمه وأخته...
وقال
لأن لو قريتيها قدامهم، واحدة منهم ممكن تنهار.
أنا فتحت الظرف ببطء...
وطلعت آخر ورقة.
وفي أول سطر منها كان مكتوب
يا نوال... الشخص اللي أنقذك من أول يوم في جوازك، هو نفس الشخص اللي الناس كلها بتسميه مجذوب.
رفعت عيني ناحية صلاح...
وساعتها فهمت إن جوازتي منه يمكن ما كانتش عقاب زي ما كنت فاكرة.
لكن لسه...
ما كنتش أعرف ليه هو بالذات.
وليه كان مستنيني من سنين فضلت باصة لصلاح، ومش قادرة أستوعب الجملة اللي قريتها.
أنقذني من إيه؟
صلاح ما ردش.
بص لأبويا، وأبويا قال له
كفاية أسرار يا صلاح... هي لازم تعرف.
صلاح أخد نفس طويل وقعد على كرسي قدامي.
وقال
قبل ما تتجوزي حمدي بسنة، حصلت حاجة محدش قالك عليها.
إيه؟
في يوم رجعتي فيه من الشغل، كنتِ فاكرة إنك ضيعتي شنطتك.
هزيت راسي.
فاكرة اليوم ده فعلًا.
كنت وقتها لسه مخطوبة، وضاعت مني شنطة فيها أوراق شخصية ومبلغ صغير.
صلاح كمل
الشنطة ما ضاعتش.
أنا شهقت
أمال راحت فين؟
بص ناحية حمدي.
حمدي وشه اتغير.
صلاح... متفتحش الموضوع ده.
صلاح رد
لازم يتفتح.
وبص لي
الشنطة وقعت من عربية كانت ماشية جنبك... وأنا لقيتها.
أنا قلت بسرعة
أيوه! ووقتها رجعتها لي.
ابتسم
أيوه... بس قبل ما أرجعها، لقيت حاجة جوّاها.
إيه؟
سكت لحظة.
ورقة مش بتاعتك.
أنا عقدت حواجبي
ورقة إيه؟
طلع من جيبه صورة صغيرة قديمة، وحطها قدامي.
كانت صورة لحمدي...
لكن مش لوحده.
كان واقف جنب شخص ماعرفوش.
قلبى دق بعنف.
مين ده؟
حمدي صرخ
متبصيش للصورة!
أنا رفعت عيني له.
إنت تعرفه؟
ما ردش.
صلاح قال
الشخص ده كان سبب إن جوازك من حمدي يحصل بسرعة.
أم حمدي تدخلت
كفاية افتراء!
صلاح بص لها
إنتِ أكتر واحدة عارفة الحقيقة.
الأم بدأت ترتعش.
أخته قربت منها
ماما... اهدي.
أنا حسيت إن كل حاجة حواليا بتنهار.
بابا... إنت كنت عارف؟
أبويا قال
عرفت بعدين.
وبعدين سكت؟!
كنت بحاول أحميكي.
صرخت
تحميني من إيه؟!
سكت أبويا.
صلاح قال
من نفس الشخص اللي كان بيتابع أخبارك من بعيد.
بصيت له بخوف
مين؟
وقبل ما يجاوب...
سمعنا خبط شديد على باب البيت.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
الجميع سكت.
صوت راجل من بره
افتحوا الباب!
أبويا بص لصلاح.
صلاح قام بسرعة.
هو وصل.
أنا سألت
مين؟
صلاح بص لي، وقال
الشخص اللي الصورة دي كانت السبب إني أفضل ساكت كل السنين دي.
الخبط زاد.
والراجل بره صرخ
نوال! أنا عارف إنك جوه!
جسمي كله اتجمد.
لأن الصوت...
كان مألوف.
مألوف جدًا.
وأنا متأكدة إني سمعته قبل كده.
لكن مش فاكرة فين.
حمدي بص للباب، وبعدها بص لي.
ولأول مرة شفته بيخاف فعلًا.
قال بصوت واطي
نوال... أوعي تفتحي.
بصيت له باستغراب
إنت عارف مين؟
سكت.
ثم قال
أيوه.
مين؟
حمدي رفع عينه للباب وقال
أخويا.
أنا اتصدمت.
إيه؟!
لكن الصدمة الأكبر كانت إن حمدي كان طول الوقت بيقول لي إنه...
ما عندوش إخوات رجالة بصيت لحمدي كأني لأول مرة أشوفه.
أخوك؟! إنت طول جوازنا قلتلي إنك وحيد!
حمدي ما ردش.
أمه بدأت تعيط، وأخته حطت إيدها على بوقها.
أبويا قال بهدوء
خلاص يا حمدي... الكذبة دي انتهت.
الخبط على الباب رجع تاني، أقوى من الأول.
حمدي! افتح! أنا عارف إنك جوه!
أنا قربت من أبويا
مين ده؟ وليه حمدي كان مخبيه عني؟
أبويا بص لصلاح.
صلاح قال
لأن وجوده هو بداية الحكاية كلها.
حمدي انفجر
إنتوا مش فاهمين حاجة! هو مش أخويا زي ما فاكرين!
أنا اتصدمت أكتر.
أمال مين؟!
حمدي مسك راسه بإيديه وقال
أخويا من الأب...
أمه صرخت
حمدي!
سكت الجميع.
أنا بصيت لأم حمدي
من الأب؟
الرجل الكبير هز راسه وقال
أيوه.
ثم أضاف
وأبوهم مات من سنين، لكن قبل موته كان سايب حاجة مهمة جدًا.
سألت
إيه؟
الرجل بص للظرف اللي في إيدي.
مستند.
قلبي دق بسرعة.
مستند عن إيه؟
صلاح قال
عن ملكية.
حمدي رفع عينه بسرعة.
صلاح...
مش هسكت تاني.
ثم بص لي
أبو حمدي كان عنده عقار كبير، والعقار ده كان المفروض يدخل في تقسيم قانوني بين أولاده.
أنا بصيت لحمدي
يعني إنت كنت عارف إن ليك أخ؟
قال بصوت منخفض
عرفت قبل جوازنا.
وخبّيته عني ليه؟
سكت.
أخته قالت فجأة
عشان ما كانش عايز مشاكل.
صلاح ضحك بسخرية
مشاكل؟ ولا عشان كان خايف إن الحقيقة تظهر؟
الخبط على الباب توقف فجأة.
الكل سكت.
عدت ثواني طويلة...
ولا صوت.
صلاح قرب من الباب، وبص من العين السحرية.
رجع وقال
مفيش حد.
أنا قلت
يعني مشي؟
لأ.
أمال فين؟
صلاح أشار للشباك.
أنا قربت وبصيت.
لقيت راجل واقف بعيد تحت عمود النور.
واقف ساكت...
وبيتمتم بكلام مش مسموع.
وفجأة رفع رأسه وبص ناحية الشباك مباشرة.
أنا رجعت لورا.
هو شافني!
صلاح قال
طبيعي.
إنت تعرفه؟
أعرفه كويس.
وبعدين بص لي وقال
بس في حاجة إنتِ لسه مش عارفاها.
إيه؟
قال
الراجل اللي تحت مش جاي عشان حمدي.
سكت لحظة.
هو جاي عشانك إنتِ.
حسيت ببرودة في جسمي.
أنا؟ ليه؟
صلاح ما ردش.
أبويا قرب مني وقال
نوال، افتحي آخر صفحة في الظرف.
فتحتها بإيد مرتعشة.
كان فيها سطر واحد
إذا ظهر الرجل الذي يحمل علامة في يده اليسرى، فلا تثقي في أي شخص يخبرك أنه جاء لحمايتك.
رفعت عيني ناحية صلاح.
وبصيت لإيده اليسرى.
كان لابس كم طويل.
سألته
صلاح... إيدك اليسرى فيها إيه؟
لأول مرة...
صلاح اتغيرت ملامحه.
وسحب إيده بسرعة ورا ضهره.
أنا اتراجعت خطوة.
وريني إيدك.
سكت.
حمدي بص لصلاح وقال
أهو... دلوقتي هتعرفي كل حاجة.
صلاح رفع عينه لحمدي، وقال بهدوء
إنت آخر واحد من حقه يتكلم.
ثم ببطء...
مد إيده اليسرى قدامي.
ولما شفت العلامة الموجودة عليها...
شهقت من الصدمة.
لأنها كانت نفس العلامة الموجودة على الصورة القديمة اللي كانت في الظرف.
وفي اللحظة دي...
سمعت صوت الرجل اللي تحت البيت بيصرخ
صلاح! كفاية لعب... سلّم نوال الورقة اللي معاك!
أنا بصيت لصلاح.
ثم للظرف.
ثم للشباك.
وفهمت إن الورقة اللي في إيدي...
مش هي الحاجة الوحيدة اللي كانوا بيدوروا عليها صلاح أول ما سمع الصوت، وشه اتغير.
أنا قربت منه
هو عايز إيه منك؟ وإيه الورقة اللي معاك؟
صلاح ما ردش.
الرجل اللي تحت كرر بصوت أعلى
صلاح! متخلنيش أطلع بنفسي!
أبويا بص لصلاح وقال
خلاص... الوقت جه.
حمدي اتوتر وقال
إنتوا ناويين تعملوا إيه؟
أبويا رد
نقول الحقيقة.
حمدي هز راسه بسرعة
لأ! مش هنا!
أنا بصيت له
ليه؟ خايف الناس تعرف؟
حمدي سكت.
أمه بدأت تبكي وقالت
يا ابني، خلاص... قولها.
حمدي بص لها بغضب
إنتِ السبب في كل ده.
أخته شهقت
إنت بتلوم ماما؟!
حمدي صرخ
أيوه! لأنها من البداية قالتلي أخبي كل حاجة!
أنا حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
تخبي إيه؟
حمدي بص لي، وسكت.
صلاح قال
قولها يا حمدي.
حمدي أخد نفس طويل
أبويا قبل ما يموت... كتب إقرار.
إقرار بإيه؟
إن جزء من ممتلكاته مش من حقي لوحدي.
الرجل الكبير كمل
وكان فيه شرط.
أنا سألت
شرط إيه؟
حمدي قال
إن الورث يتسلم للشخص اللي اتحدد اسمه في المستند.
مين؟
حمدي بص لي.
أنا اتجمدت.
أنا؟
هز راسه.
أيوه.
سكت المكان كله.
بس ليه أنا؟
صلاح قال
لأن أبوكي كان شريك قديم في شغل أبو حمدي.
أبويا أغمض عينيه.
أنا بصيت له
إنت كنت شريك أبو حمدي؟
قال بهدوء
زمان.
بدأت أربط الأحداث.
الزواج...
الطلاق...
صلاح...
الظرف...
الرجل اللي تحت...
لكن كان فيه سؤال واحد مش لاقية له إجابة.
طب وصلاح؟ إيه علاقته بكل ده؟
صلاح بص لي وقال
أنا كنت شغال عند أبو حمدي زمان.
حمدي ضحك بسخرية
شغال؟ قول الحقيقة كاملة.
صلاح بص له
إنت اللي خليني أعيش السنين دي كلها بالشكل ده.
أنا اتصدمت.
يعني إيه؟
صلاح قال
بعد وفاة أبو حمدي، حصل خلاف على أوراق مهمة. ناس كتير كانت بتدور عليها.
وأشار للظرف.
وأنا عرفت مكانها.
فين؟
صلاح ابتسم
كانت مع أبوكي.
أبويا قال
وأنا احتفظت بيها لحد ما نوال تبقى قادرة تعرف الحقيقة.
فجأة...
صوت الرجل اللي تحت رجع
آخر تحذير!
صلاح بص لي وقال
لازم نخرج من هنا.
أنا سألته
ليه؟
رد
لأن الرجل اللي تحت مش أخو حمدي بس.
حمدي رفع عينه بسرعة.
صلاح...
صلاح كمل
ده الشخص اللي كان بيدور على الورقة من سنين.
أنا مسكت الظرف بقوة
ومين قال له إنها معايا؟
الصمت نزل على المكان.
وببطء...
كل العيون اتجهت ناحية أخت حمدي.
هي شهقت
أنا؟!
صلاح قال
أيوه.
أمها صرخت
إنتِ كلمتيه؟!
البنت بدأت تعيط
أنا مكنتش أعرف إنه هييجي هنا!
حمدي بص لها بغضب
إنتِ ضيعتي