ببلاش

لمحة نيوز


أرجاء الورشة، لم يعكره سوى صوت صفير الرياح الجافة التي تداعب صاج السقف. كانت أنصاص الشيك الممزق تطير ببطء على ترابيزة الشغل الخشبية، تتساقط بين الكماشة وبقع الشحم، كأنها أوراق شجر ميتة لا قيمة لها.
كامليا رجبت خطوات للخلف، وعيناها تنطقان بذهول تام لم تستطع إخفاءه خلف نظاراتها الشمسية الفاخرة ولا كبريائها. كانت متعودة إن كل حاجة وكل بني آدم ليه سعر، وأن لغة الأرقام هي الوحيدة اللي بتخضع ليها القلوب والعقول في عالم إدارة الأعمال.
قالت بصوت نبرته اهتزت لأول مرة، ممتزجة باستنكارات حادة
أنت اتجننت؟! أنت عارف يعني إيه تمزق شيك بنص مليون جنيه وأنت على بعد أيام قليلة من الإفلاس وطردك من الورشة دي؟! أنت فاكر نفسك بطلاً في مسلسل؟!
قربت من ترابيزة الشغل، وسندت إيديا ببطء على البنك الخشب القديم اللي كان أبويا جلال بيقعد عليه. بصيت في عينيها بثبات وقربت مني نبرة صوتي العامة، هادية بس طالعة من قاع القلب
يا ست كامليا... البنك الخشب ده، أبويا جلال أورتيجا قعد عليه 20 سنة. كان يدخل عليه الراجل اللي معاها ألوف والراجل اللي جيبه فاضي، وعمره ما بخل بالصنعة ولا بالرحمة على حد. الشيك بتاعك ده مش ينقذ ورشتي... ده يدفن اسم أبويا تحت الجزمة. أنا ميكانيكي آاه، وديوني للبنك خنقاني، بس أورتيجا ما بياخدش تمن الجدعنة فلوس، وما بيبيعش شرفه عشان شوية أوراق مالية!
كامليا لمّت أوراقها بارتباك شديد، وعدلت جاكيت بدلتها الرمادي، وقالت وهي بتحاول تسترد قناع البرود
أنت بتلعب لعبة أكبر منك يا سيف. أبويا راجل كبير ومريض، والشركة اللي بناها أنا اللي بصلح قراراته فيها دلوقتي. لو جيت ناحية شغل الشركة أو حاولت تستغل طيبة أبويا تاني... أنا مش هكتفي برفض الشيكات، أنا هسحب رخصة الورشة دي بالكامل بالقانون!
رديت بابتسامة خفيفة مليانة ثقة
القانون على الكل يا مديرة... وأنا ما طلبتش حاجة من أبكي. هو اللي جالي ورشتي. والباب اهو مفتوح... اتفضلي من غير مطرود، المطر بره أرحم بكثير من القسوة اللي جوه قلبك.
خرجت كامليا بخطوات سريعة، ورزعت باب عربيتها الفخمة السودا، وغادرت المنطقة الصناعية كأنها بتهرب من مكان بيذكرها بحاجة نسيتها من زمان... الكرامة.
بعد ساعتين بالظبط...
كانت الشمس بدأت تغيب، وتعمل ظلال طويلة على حيطان الورشة. كنت قاعد على الكرسي الخشبي، ماسك الملاحظة القديمة اللي أبويا كتبها قبل ما يتوفى بيومين في المستشفى.
كانت الورقة صفراء ومكرمشة، مكتوب فيها بخط إيده الضعيف
يا سيف يا بني... لو الدنيا ضاقت بيك والورشة وقفت، ادور على الشيفروليه الخضرا ورقم الشاسي 408... هناك هتلاقي السر اللي يرجعلك حكايتنا من أولها.
طوال 7 سنين، كنت فاكر إن أبويا بيخرف من أثر المرض، أو إن العربية دي مجرد حلم قديم من أحلام الشباب اللي ما كملتش. لكن لما عم رجب ظهر بالعربية الشيفروليه الخضرا في المطر... كل حاجة في دماغي اتغيرت بدأت تتجمع زي مكعبات الدومينو.
في اللحظة دي، سمعت صوت موتور آشنا جدًا!
بصيت بره... لقيت العربية الشيفروليه الخضرا بتهدي وبتدخل ساحة الورشة.
نزل منها عم رجب، لابس جلابيته الصوف الثقيلة، وماسك في إيده عصاية خيزران أبنوس. كان وجهه هادي، وعينيه مليانة طيبة وحكمة السنين.
دخل الورشة ونظر للترابيزة، ولمح بقايا الشيك الممزق المرمي في الزبالة.
ابتسم عم رجب ابتسامة دافية وقعد على البنك الخشبنفس البنك اللي محدش كان بيقعد عليه غير أبويا!
قال بصوت عميق
كامليا جتك هنا... صح يا سيف؟
قعدت قدامه وقلت
جت يا عم رجب... وكانت فاكرة إن الجدعنة ليها سعر في سوق السيارات.
تنهد عم رجب تنهيدة طويلة طلعت من وجع سنين، وقال
كامليا بنتي... الدكاترة والجامعات الأجنبية علموا مخها يسوق الشركات، بس نسوا يعلموا قلبها يسوق البني أدمين. هي خايفة عليا وخايفة على الشركة، بس مش فاهمة إن الدنيا مش أرقام وبس.
ثم سكت عم رجب لحظة، ومسك عصايته ببراعة، ونظر لصورة أبويا المعلقة على الحيطة
أبوك جلال أورتيجا... كان أعظم شريك وأصدق راجل قابلته في حياتي يا بني.
فتحت عينيا بذهول
شريكك؟! أبويا كان شريكك يا عم رجب؟!
وقف عم رجب ومشي ناحية الرافعة القديمة، وهو بيمسح بفرشة إيده على الحديد المصدي
سنة 1995... أنا وجلال بدأنا بشركة نقل صغيرة. عربيتين شيفروليه خضرا وورشتين صغار في شبرا. أنا كنت بسوق وبدير، وجلال كان العقل الفني اللي بيحافظ على كل موتر شغال كأنه قلبه. ولما الشركة بدأت تكبر والدفاتر تكثر، حصلت مؤامرة من حيتان السوق، وزوروا عقود عشان وياخدوا الأصول.
كمل عم رجب بنبرة مليانة شجن
جلال عشان يحميني ويحمي أسرني من الإفلاس والسجن، شال القضية المالية لوحده، وباع نصيبه في الشركة بمليمين عشان يسدد ديون التأسيس، واكتفى بإن يفتح الورشة دي ويربي فيها ولاده بلقمة حلال... وأنا أخدت النصيب التاني وبنيت بيه شركة رجب للنقل اللي قيمتها النهاردة بالملايين!
وقفت مكان مش قادر أتكلم. كانت قطرات العرق بتنزل على وشي وأنا بستوعب الكلام.
عم رجب طلع من جيبه دفتر قديم، متغلف بجلد أسود، وحطه على الترابيزة قدامي
أبوك جلال رفض ياخد مني أي جنيه طوال حياته... كان يقولي يا رجب، الفلوس اللي جت من الشراكة دي مستحقة للورشة وللأصل لما سيف يكبر ويتعلم الصنعة صح. الدفتر ده فيه عقد شراكة
 

تم نسخ الرابط