جوزي

لمحة نيوز


ساكتة.
بس أنا عايز أصلح.
بصيت له وقلت
تصلح إيه؟
كل حاجة.
لا يا حسام.
سكت.
فيه حاجات بتتصلح وحاجات بتتعلّم منها.
بص لي.
يعني إنتِ هتسيبيني؟
قلت
أنا مش بسيبك بسبب الفلوس.
سكت.
أنا بسيبك عشان الست شهور اللي كنت فيها شايلة أبوك لوحدي، وإنت كنت شايفني بتعب ومش فارق معاك.
نزل عينه.
كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما حصل.
قلت
ودي كانت أكبر غلطتك.
اتطلقت من حسام بعد فترة قصيرة.
مشيت من البيت من غير ما آخد منه حاجة.
ولا حتى الأثاث اللي كنت أنا اللي مختاراه.
لكن قبل ما أخرج، دخلت أوضة عم جابر.
كان قاعد على كرسي جنب الشباك.
بقى قادر يحرك إيده شوية، وكلامه رجع تدريجيًا.
بص لي وقال
هتمشي؟
قلت
آه.
سكت.
وبعدين قال
زعلانة مني؟
ابتسمت.
بالعكس.
طب ليه؟
عشان أخيرًا عرفت إن سكوتك ما كانش ضعف.
ضحك.
وقال
أوقات السكوت بيخلي الناس تقول حاجات ما كانوش هيقولوها لو عارفين إنك سامع.
ضحكت.
وبعدين قال
استني.
طلع من درج صغير ظرف.
ده ليكي.
رفضت آخده.
لا يا عم جابر.
قال
مش فلوس.
فتحته.
كان جواه كتاب قديم.
نفس نوع الروايات اللي كنت بقرأها له كل يوم.
وفي أول صفحة كان كاتب بإيده
لمريم الست اللي قرأت لي وأنا ساكت، وصدقت إني لسه موجود.
ما قدرتش أتكلم.
حضنته.
وكان أول مرة أحس إن الست شهور اللي عشتهم مش كلها كانت خسارة.
بعد شهرين، عم جابر طلب مني أزوره.
لما وصلت، لقيته واقف على رجله.
بمساعدة عصاية.
بص لي وقال
تعالي.
قلت
إنت بقيت بتمشي؟
قال وهو بيضحك
شوية.
وبعدين أشار للترابيزة.
كان عليها نفس الملف الأحمر.
لكن المرة دي كان مقفول.
وقال
الملف ده هيتقفل النهارده.
استغربت.
ليه؟
قال
عشان كل اللي كان لازم يتكشف اتكشف.
وبعدين قال
حسام سدد جزء كبير من الفلوس اللي أخدها.
وسعاد؟
ابتسم.
رجعت حاجات كتير كانت شاريها.
ضحكت.
بجد؟
قال
أيوه.
وبعدين سكت لحظة.
والأهم إنهم عرفوا إن أبوهم ما كانش غايب عن الدنيا.
بعدها بسنة، سمعت إن حسام بدأ شغل جديد بعيد عن تجارة أبوه، وإن علاقته بأمه اتغيرت جدًا.
أما سعاد، فبقت تزور عم جابر من وقت للتاني.
لكن ما بقتش تدخل بيته وتطلب فلوس.
بالعكس
كانت بتجيب له أكل وتقعد معاه.
يمكن لأول مرة في حياتها فهمت إن رعاية الإنسان مش معناها استغلاله.
أما أنا، فرجعت لشغلي.
وبدأت أشتغل في رعاية كبار السن، لكن المرة دي بمقابل محترم، وبشروط أنا اللي بحطها.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع واحدة ست كبيرة بقرأ لها كتاب، افتكرت عم جابر.
افتكرت جملته
مريم أنا كنت سامع كل حاجة.
وفهمت وقتها إن أكبر درس في الحكاية كلها ما كانش عن الفلوس.
كان عن الناس اللي بيستضعفوا شخص لمجرد إنه مش قادر يرد.
بيفتكروا إن السكوت معناه غياب.
وإن العجز معناه إن صاحبه ما بقاش فاهم.
لكن عم جابر علّمهم العكس.
كان ساكت
بس كان بيسمع.
وكان عاجز عن الحركة
بس كان واعي.
وكان ظاهر إنه خسر السيطرة على حياته
بينما في الحقيقة كان بيجهز بهدوء عشان يستردها.
أما الملف الأحمر؟
فضل عنده.
مش كدليل على فلوس ضاعت.
ولا كذكرى لخيانة ابنه.
لكن كدليل على ست شهور كاملة
الناس فيها كشفت حقيقتها بنفسها.
وفي آخر مرة زرته، سألته
هو إنت من أول يوم كنت عارف إن كل ده هيحصل؟
ضحك وقال
لأ.
أمال كنت عامل إيه؟
بص لي وقال
كنت مستني أعرف مين فيهم هيعاملني كإنسان ومين هيعاملني كإن الفلوس أهم مني.
سكت شوية.
وبعدين ابتسم
ولقيت الإجابة.
قلت
وإيه الإجابة؟
بص لي وقال
إنتِ.
وساعتها عرفت إن أوقات أكبر مكافأة ممكن ياخدها الإنسان مش فلوس ولا بيت ولا ورث
إنما إنه يعرف، في أصعب وقت في حياته، إن فيه حد واحد على الأقل
ما باعش قلبه مقابل مصلحته.
وده كان آخر فصل في حكاية الملف الأحمر.
أما حسام وسعاد، فقد خسروا جزءًا كبيرًا من المال اللي كانوا فاكرين إنه مضمون، والأهم إنهم خسروا ثقة عم جابر فيهم.
لكن عم جابر ما انتقمش منهم.
هو بس
خلّاهم يتحملوا نتيجة اختياراتهم.
وأنا؟
أنا خرجت من البيت من غير ميراث، ومن غير فلوس، ومن غير حتى ما أخد حاجة تخصني.
لكن خرجت بحاجة أهم بكتير
خرجت وأنا عارفة إن قيمتي مش بتتحدد بمدى احتياج الناس لخدمتي
وإن الإنسان اللي بيحترمك وإنتِ في أضعف حالاته
هو اللي يستاهل وجودك في أقوى حالاتك.

 

تم نسخ الرابط