جوزي
بصيت لحسام.
كان واقف قدامي ساكت، وشه أصفر، وإيده ماسكة الملف كأنه خايف يقع منه.
قلبت الصفحة.
كشف حساب تاني.
وبعده إيصالات.
وبعدهم صور لمشتريات، وتحويلات بنكية، وفواتير بأسماء مختلفة.
كلها من حساب عم جابر.
وفي جنب كل عملية، كان عم جابر كاتب بخط إيده التاريخ والسبب.
اشتريتوا أثاث جديد.
دفعتوا قسط العربية.
سحبتوا مبلغ كبير نقدي.
حجزتوا مصيف.
دفعتوا علاج تجميلي.
والمبلغ اللي اتصرف خلال الست شهور كان أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
بصيت لحسام وقلت
دي فلوس أبوك؟
ما ردش.
أمه سعاد قربت بسرعة وخطفت الملف من إيدي.
إنتِ مالك بكل ده؟!
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
مالي؟! أنا اللي كنت قاعدة ست شهور جنب سريره، وإنتِ اللي كنتِ بتصرفي فلوسه!
صرخت
دي فلوس جوزي!
وجالي الرد من وراها بصوت هادي جدًا.
لأ.
اتجمدنا كلنا.
كان صوت عم جابر.
حسام لف ناحية الأوضة كأنه شاف حاجة مستحيل تحصل.
بابا؟!
عم جابر كان لسه على السرير.
عينه مفتوحة.
المرة دي ما كانتش مجرد لحظة.
كان صاحي.
واعِي.
وسامع.
وقال
فلوسي مش فلوسكم.
سعاد بدأت ترتعش.
جابر إنت كنت بتسمعنا؟
بصلها ثواني طويلة.
وقال
من أول يوم.
سعاد حطت إيدها على بقها.
أما حسام فبدأ يتكلم بسرعة
بابا، إحنا كنا بنصرف على البيت وعلى احتياجاتك
قاطعه
احتياجاتي؟
سكت حسام.
عم جابر كمل
كنت محتاج ممرضة.
وبص لي.
وهي كانت بتعمل شغل تلاتة.
وبعدين رجع بص لحسام
وإنت كنت محتاج تسدد قسط عربيتك؟
حسام ما عرفش يرد.
عم جابر قال
ومراتك كانت محتاجة تعمل مصيف؟
سعاد بدأت تعيط.
إحنا غلطنا يا جابر
رد عليها
الغلط مرة.
وسكت.
إنما اللي عملتوه ست شهور اسمه اختيار.
أنا كنت واقفة مش قادرة أستوعب.
عم جابر كان فاكر كل حاجة.
كل مرة سعاد كانت تدخل الأوضة وتقول
هو خلاص مش حاسس.
كل مرة حسام كان يدخل ويقول
مريم، متتعبيش نفسك معاه، ده مش فاهم حاجة.
كل مرة كانوا بيتكلموا عن فلوسه قدامه.
كل مرة اختلفوا على مين هياخد إيه بعد وفاته.
كان سامع.
ساكت.
وبيستنى.
لكن كان فيه حاجة في الملف لسه مش فاهمها.
بصيت للورق وقلت
طب ليه ما قلتش من الأول؟
عم جابر بص لي.
لأن لو كنت اتكلمت بدري كانوا هيعرفوا إني قادر أتكلم.
سكت لحظة.
وأنا كنت عايزهم يكملوا.
استغربت.
يكملوا إيه؟
قال
يغلطوا.
حسام قرب من أبوه.
بابا، أنا ابنك.
عم جابر رد بمنتهى الهدوء
عارف.
يعني بعد كل السنين دي هتعمل فيا كده؟
أنا مش اللي عملت فيك حاجة.
حسام سكت.
عم جابر أشار للملف.
إنت اللي عملت في نفسك.
وبعدين قال
افتحي آخر جزء يا مريم.
فتحت آخر مجموعة أوراق.
ولقيت ورقة من مكتب محامي.
وبعدها توكيل جديد.
وبعدها ورقة تانية عليها توقيع عم جابر.
قرأت أول سطر.
اتصدمت.
بصيت لحسام.
ثم لسعاد.
هو التوكيل القديم اتلغى؟
عم جابر قال
من تلات شهور.
سعاد قربت منه
بس أنا كنت لسه بسحب من الحساب!
عارف.
سعاد وشها اتغير.
يعني إنت كنت عارف؟
كل جنيه.
وبعدين بص لي وقال
وعشان كده طلبت من المحامي يعمل حساب جديد باسمي، ومايبقاش لأي حد حق يسحب منه من غير علمي.
حسام ضرب إيده على الترابيزة.
طب الفلوس اللي اتصرفت؟
عم جابر رد
المحامي ماسك كل حاجة.
ثم بص له
وكل عملية عنده نسخة منها.
حسام سكت.
لأول مرة شفته مش عارف يقول إيه.
لكن عم جابر ما كانش خلص.
مد إيده ناحية الملف.
فيه حاجة تانية.
قلبت الصفحات.
لقيت ورقة مكتوب فيها أسماء.
اسمي كان موجود.
اتخضيت.
أنا؟
قال
أيوه.
بصيت له.
ليه؟
ابتسم لأول مرة من شهور.
وقال
عشان الست الوحيدة اللي ما أخدتش مني حاجة كانت بتديني كل يوم من وقتها وصحتها.
سعاد صرخت
إنت ناوي تديها فلوسنا؟!
عم جابر بص لها وقال
دي فلوسي.
سعاد سكتت.
وبعدين قال
وأنا حر أعمل بيها اللي أنا عايزه.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
أنا ما كنتش مستنية منه فلوس.
ولا حتى كنت فاهمة هو ناوي يعمل إيه.
لكن فجأة حسام بص لي بنظرة مختلفة.
نظرة مليانة غضب.
وقال
إنتِ السبب.
استغربت.
أنا؟
آه.
قرب مني.
إنتِ اللي خليتيه يقلب علينا.
عم جابر رفع صوته لأول مرة
محدش يقرب منها!
حسام وقف.
عم جابر كمل
لو حد هنا المفروض يتحاسب، يبقى اللي استغل ضعفي.
وبعدين بص لحسام وقال
مش اللي وقف جنبي.
في نفس اليوم، جه المحامي.
راجل كبير اسمه الأستاذ فؤاد.
دخل البيت ومعاه شنطة جلد، وسلم على عم جابر، وبعدها قعد على الكرسي.
حسام كان متوتر جدًا.
سعاد كانت ساكتة.
أما أنا فكنت قاعدة بعيد.
الأستاذ فؤاد فتح الشنطة وطلع ملف تاني.
وقال
قبل ما أبدأ، لازم تعرفوا إن عم جابر طلب مني أوثق كل حاجة من تلات شهور.
حسام قال بسرعة
يعني إيه؟
يعني إن الأستاذ جابر كان مدرك لكل تصرف حصل في الفترة دي.
سعاد قالت
بس هو كان مش قادر يتكلم!
المحامي رد
عدم القدرة على الكلام مش معناها عدم الإدراك.
وبعدين حط قدامهم ظرف صغير.
وده تسجيل صوتي.
حسام بص له.
تسجيل إيه؟
المحامي ضغط على زر.
وخرج صوت عم جابر.
صوته كان ضعيف
لكن واضح.
وكان بيتكلم عن كل حاجة.
عن سعاد لما كانت بتدخل وتطلب فلوس.
عن حسام لما كان بيتكلم عن بيع البيت بعد وفاته.
عن كلامهم وهما فاكرين إنه مش سامع.
عن المرات اللي كانوا بيتخانقوا فيها على مين هياخد نصيب أكبر.
وعن مريم
عن كل مرة كنت بدخل فيها عليه وأقول
أنا هنا يا عم جابر.
الصوت توقف.
الغرفة كلها كانت ساكتة.
ثم سمعنا صوت عم جابر في التسجيل
مريم الوحيدة اللي عمرها ما اتعاملت معايا كأني عبء.
بصيت للأرض.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن التسجيل كمل.
عشان كده لو حصل لي حاجة، عايز حقي يرجع الأول، وبعدها كل واحد ياخد اللي يستحقه.
حسام وقف فجأة.
يعني إيه يستحقه؟
المحامي بص له.
يعني إن الوصية الجديدة مختلفة عن القديمة.
سعاد قالت
قديمة إيه؟
المحامي فتح ورقة.
الوصية اللي كتبها الأستاذ جابر قبل مرضه كانت بتوزع كل حاجة بين ابنه ومراته.
حسام تنفس براحة.
لكن المحامي كمل
أما الوصية الجديدة، فبتحفظ حق زوجته، وبتخصص جزء من أمواله لعلاج ورعاية نفسه، وجزء لأعمال خيرية، وجزء محدد لزوجة ابنه مريم.
حسام انفجر
إنت مجنون؟!
عم جابر قال
لأ.
ثم أضاف
أنا لأول مرة من شهور حاسس إني صاحي.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش الفلوس.
الأستاذ فؤاد طلع ورقة تانية.
وقال
فيه موضوع أخطر.
حسام بص له.
إيه؟
التحويلات اللي اتعملت من حساب الأستاذ جابر بعد إصابته.
سعاد قالت
إحنا قلنا إنها مصاريف البيت.
بعضها آه.
ثم قلب ورقة.
لكن فيه تحويلات تانية اتعملت لحساب شخص اسمه مدحت.
حسام وشه اتغير.
المحامي بص له مباشرة.
تعرف مدحت؟
حسام ما ردش.
أنا بصيت له.
مين مدحت؟
سعاد تدخلت بسرعة
واحد صاحب حسام.
المحامي قال
مش بس صاحبه.
وسكت لحظة.
ده كان بيحاول يشتري البيت من ورا الأستاذ جابر.
اتصدمت.
يشتري البيت؟!
حسام قال
الموضوع ما تمش!
المحامي رد
عارف.
وبعدين طلع ورقة.
لأن والدك كان عارف.
عم جابر قال
وأنا كنت ساكت.
حسام قرب منه
بابا، أنا كنت بحاول أساعدك!
رد
لأ.
والله كنت
كنت بتحاول تاخد البيت.
حسام سكت.
عم جابر قال
البيت ده أنا بنيته من أول طوبة.
وبعدين أشار لمريم.
وهي كانت أكتر واحدة بتحافظ عليه.
بعدها حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
عم جابر طلب مني أقعد جنبه.
مسك إيدي.
وكانت إيده ضعيفة جدًا.
وقال
مريم، أنا عارف إنك اتظلمتي.
قلت له
أنا ما كنتش مستنية حاجة.
ابتسم.
عشان كده بالذات.
وبعدين بص للمحامي.
نفّذ اللي اتفقنا عليه.
المحامي هز رأسه.
بعد أسبوع، حصلت مواجهة أخيرة.
حسام رجع البيت لوحده.
كان باين عليه إنه مش ناوي يتخانق.
دخل وقعد قدامي.
وقال
أنا غلطت.
ما رديتش.
وأمي غلطت.
فضلت