كنت بشتغل شفتين
إيدي بدأت ترتعش وهي على المقبض، والتنفس بقى صعب كأن الهواء اتسحب من الممر كله.
فلوس إيه اللي بيتكلموا عنها؟! أنا أصلًا مش حايشة جنيه! أنا كل قرش بجمعه من الشيفتين بروح أدفعه فوراً للكمبيالات وأقساط الديون اللي عليه!
قربت ودني أكتر من الباب، ودموع القهر مسحوبة على وشي بس قلبي بقى زي الحجر.
حماتي كملت صوتها بالخباثة:
— «أنا عرفت من أختك إنها شايلة القرشين بتوع ورث أبوه المرحوم في حساب مقفول باسمها في البنك، والفلوس دي هي اللي كانت ناوبة تعيش بيها وتأمّن نفسها بعد ما تخلص ديونك، عشان عارفة إنك مالكش أمان!»
جوزي رد بصوت مليان طمع وغدر:
— «ورث أبوها؟! دي بتفهمني إن أبوه ما سابلهاش غير شوية كراكيب! طلعت بتخدعني يا أمي؟!»
حماتي ضحكت بشر:
— «عشان تعرف إنها عقربة! المهم دلوقتي... إنت تسحب منها كارت البنك بحجة إنك محتاج تكمل القسط الأخير، وأول ما الفلوس تدخل حسابك، ترميلها ورقتها وماتشوفش منك ولا مليم! ده حقك على التعب والقرف اللي عيشتهولك طول الفترة اللي فاتت!»
في اللحظة دي، الدم جرى في عروقي كأنه نار... بس ما كانتش نار ضعف، كانت نار انتقام وفوقان.
الست دي ما كانتش بس عايزة تخرب بيتي وتاخد شقايا؛ دي كانت بتتبلى عليا وتألف قصة ورث وهمية عشان تغذي الطمع في قلب ابنها وتخليه يبعني في ثانية! وهدفي الأهم... إن جوزي "الراجل" بلع الطعم في ثانية ومستعد يرميني بعد ما كلت الشقى عشان ديونه!
رجعت لورا خطوات ببطء شديد من غير ما أعمل أي صوت على السلم.
نزلت للشارع، وقفت أتنفس الهواء الساقع. مسحت دموعي بإيدي اللي اتجرحت من الشقى، وطلعت تليفوني.
اتصلت بصاحب الدين الرئيسي اللي أنا كنت بروح أدفعلهم الأقساط بإيدي كل شهر من عرق جبيني، والكمبيالات كانت مكتوبة باسم جوزي شخصياً.
— «ألو... أستاذ سامح؟»
— «أهلاً يا مدام... خير؟»
— «أنا معايا باقي القسط الأخير بتاع ديون أحمد... بس أنا مش هاجي أدق الباب وأدفعهولك. أنا هحولهولك دلوقتي بشرط... الكمبيالات الأصلية المحرومة باسمه توصلني أنا في إيدي على شغلي بكره الصبح، ووصل الأمانة اللي هو ماضي عليه يكون معايا أنا، مش معاه هو.»
الرجل استغرب:
— «بس ده حقه هو يا مدام لما الدين يخلص!»
— «الدين ده إنت عارف مين اللي دفعه قرش بقرش يا أستاذ سامح... لو مش موافق، اعتبر الدين ما اندفعش وهات إنت الفلوس منه هو وشوف هيسدك إزاي!»
الرجل سكت ثواني، وهو عارف إن جوزي ما معاهوش ملّيم وإن أنا اللي يسدد، فقال بسرعة:
— «تم... بكره الصبح الأوراق كلها هتكون معاكي.»
بعد ما أخدت الأوراق تاني يوم، عملت خطة ما تخطرش على بال إبليس نفسه.
رجعت الشقة بالليل وكأني مش عارفة أي حاجة. دخلت ووشي باين عليه التعب المعتاد.
جوزي جرى عليا بتمثيل رخيص وبشاشة غريبة أول مرة أشوفها منه:
— «حبيبتي! حمد الله على السلامة... تعبتي النهاردة؟»
حماتي كانت قاعدة تبصلي بانتصار كأنها شايفاني الضحية الغبية اللي بلعت الطعم.
جوزي كمل وهو بيمثل الضيقة:
— «بقولك إيه يا حبيبتي... صاحب الدين هددني النهاردة بفيشة سجن لو ما دفعتش المبلغ الأخير كبير... أنا عارف إنك تعبتي، بس ممكن بس سلفة من ورث أبوكي اللي شايلقها في البنك وهرجعهم لك أول ما أقف على رجلي؟»
بصيت له بثبات... ابتسمت ابتسامة هادية جداً وقعدت على الكرسي.
— «ورث أبوي؟ مين قالك إن عندي ورث يا أحمد؟»
حماتي اتنطرت من مكانها:
— «ما تنكريش! إحنا عارفين كل حاجة! هاتي الفلوس بدل ما تصحى تلاقي نفسك بره البيت ده!»
طلعت من شنطتي ملف أوراق كبير، وحطيته على الترابيزة قدامهم بمنتهى الهدوء.
— «الفلوس دي ما كانتش وجودة اصلاً يا حماتي... أختك ضحكت عليكي أو إنتي اللي خيالك المريض صورلك إن في ورث عشان تبرري طمعك وطمع ابنك. بس الأوراق اللي قدامكم دي حقيقية جداً.»
جوزي مسك الملف بذهول وفتحه... وشه اسودّ وبدأ يترعش!
— «إيه ده؟! دي الكمبيالات واصلات الأمانة بتوع ديوني كلها!! إنتي جبتيها إزاي؟! الدين خلص؟!»
وقفت بثبات وبصيت في عينيه بنظرة خلته يحس إنه أصغر كائن على وش الأرض:
— «أيوه الدين خلص... بس أنا ما سددتوش باسمك. أنا اشتريت الدين ده من صاحبه، ونقلت ملكية الكمبيالات واصلات الأمانة ليا أنا بصفة قانونية وبشهادة المحامي... يعني إنت دلوقتي مش مديون للبنك ولا للناس... إنت مديون لـ "مراتك اللي مش مقدرة".»
حماتي صرخت برعب:
— «إنتي بتلعبي بالدينار يا بت إنتي ولا إيه؟! ابن طلقها حالا وارميها بره!»
ضحكت بصوت عالي خلي الصالة ترن:
— «يطلقني؟! طبعاً يطلقني! ده أنا مستنية الكلمة دي بفارغ الصبر! بس قبل ما يطلقني... يا يدفعلي كل جنيه كتبت بيه الكمبيالات دي لحسابي، يا إما بكره الصبح المحامي هيقدم الأوراق دي للنيابة، وأحمد حبيبك هيتسحب للكلابشات ويتسجن 5 سنين على أقل تقدير!»
أحمد ات رمى على ركبه قدامي وهو بيترجى وبيعيط من الصدمة:
— «أرجوكي يا مدام! سامحيني! أمي هي اللي غوتني وقالتلي أعمل كده! أنا بحبك والله وما أقدرش أدخل السجن!»
حماتي وقفت مصدومة من منظر ابنها وهو بيترجاني وبيحملها المسئولية، والدموع اتمسحت من عينها وجالها شلل من الخيبة!
بصيت له بقرف وقلت:
— «شفت؟ اللي يبيع اللي صانته وحمت كرامته عشان كلام أمه والطمع... يترس على الرصيف في الآخر. ورقتتي توصلني بكرة الصبح، والفلوس دي هتتدفعلي أقساط شهرية غصباً عنك وعن أيك، وإلا السجن مستنيك... أظن كده كتر خيرك أوي إني سبتك تتنفس.»
لميت حاجتي في شنطة صغيرة، وخرجت من الشقة وأنا مرفوعة الراس.
قفلت الباب ورايا وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن كتافي خفت، وإن شقايا وتعبي ما راحش هدر... ده كان التمن اللي اشتريت بيه حريتي وكرامتي، وعلمت بيه اللي ما يربيش... كيف تكون الرجال!
تمت