بعد ٣ سنين جواز

لمحة نيوز

في السنة التالتة من جوازنا، حماتي جالها جلطة في المخ، وبعدها نص جسمها اتشل وبقت طريحة السرير.
أخت جوزي قالت بمنتهى البساطة
أنا ورايا شغل ومقدرش أسيبه.
واختفت.
أما أخوه الصغير، فكان عايش في محافظة تانية، وكل اللي قاله
مش هقدر أنزل دلوقتي.
وطبعًا جوزي شاف إن الحل الطبيعي جدًا هو أنا.
بصلي وقال بمنتهى الثقة
ما إنتِ قاعدة في البيت، يعني فاضية. وبعدين دي أمي، وخدمة حماتك واجب عليكي!
بصيت لحماتي اللي بقالها شهور طريحة السرير، وجسمها محتاج رعاية مستمرة، وبصيت لجوزي اللي واقف قدامي بيتكلم كأنه بيطالبني بحاجة من أبسط حقوقه.
وفجأة ضحكت.
قلتله
يا كريم ممكن أسألك سؤال؟ أنا دخلت كام الشهر اللي فات؟
رد من غير ما يفهم قصدي
تمانية وعشرين ألف.
قلت
وإنت؟
وشه احمر شوية وقال
تمانية آلاف
ابتسمت وقلت
طيب بأي منطق اللي بتكسب أكتر تسيب شغلها، وتقعد في البيت ترعى شخص مش أمها، بينما أولادها كل واحد فيهم مكمل حياته عادي؟
رفع رقبته وقال بعصبية
لأنك مرات ابنها! وده واجبك!
فتحت الدرج بهدوء، طلعت ورقة، وحطيتها قدامه على الترابيزة.
كانت خطاب من محامي.
وقلتله
مرات الابن مش ملزمة قانونيًا إنها تتحمل مسؤولية رعاية أهل جوزها بدل أولادهم. لو فضلت تضغط عليا بالطريقة دي يبقى المرة الجاية كلامنا هيكون قدام المحكمة.
1
التليفون رن وأنا لسه باعتة آخر عرض سعر لعميل.
اسم كريم ظهر على الشاشة، والموبايل فضل يرن ورا بعضه.
رديت
ألو؟
صوته كان متوتر.
ارجعي البيت حالًا.
بصيت للساعة على الكمبيوتر.
كانت 346 العصر.
قلت
في إيه؟
سكت لحظة وقال
ماما وقعت وشكل الموضوع مش بسيط.
كان بيتكلم بطريقة غامضة، لكني سمعت في الخلفية صوت الجيران وصوت الإسعاف.
قفلت اللابتوب، خدت مفاتيح العربية ونزلت فورًا.
لما وصلت المستشفى، طرقة الطوارئ كانت مليانة ناس.
ريحة المطهرات

مختلطة بالعرق، والأصوات جاية من كل اتجاه.
لقيت كريم واقف جنب شباك الحسابات، كُم القميص مرفوع لحد كوعه ووشه أبيض من الخضة.
أول ما شافني، ماقاليش أمه عاملة إيه.
مد إيده بورقة وقال
ادفعي دي بسرعة، الدكتور طالب الأشعات والتحاليل حالًا.
بصيت في الورقة.
تحاليل، أشعة، وفحوصات كتير، وتحتهم المبلغ.
ماعلقتش.
رحت دفعت بالكارت ورجعت.
ساعتها بس كريم قال
الدكتور بيقول جلطة في المخ، وممكن تحتاج حجز.
قلت
حالتها إيه؟
لسه مش عارفين، مستنيين الأشعة.
بصيت ناحية السرير.
حماتي، الحاجة فاطمة، كانت نايمة على الترولي.
نص وشها مايل، وعلى جنب بُقها آثار لعاب محدش حتى مسحه.
الست دي طول عمرها مهتمة بشكلها بطريقة غريبة.
كانت ممكن تنزل تجيب كيس عيش من تحت البيت، لكن مستحيل تنزل وشعرها مش متسرح وهدومها مش مترتبة.
دلوقتي شعرها الأبيض كان منكوش فوق المخدة، وعينيها مفتوحة، لكن كأنها مش شايفة حد.
قلبي اتقبض.
علاقتي بيها عمرها ما كانت كويسة أوي.
هي كانت شايفة إني مش ست بيت مثالية، وإن شغلي واخدني من جوزي وبيتي.
وكانت كل شوية تقولي
مرات فلان خلفت التاني.
بنت خالتك عندها تلات عيال.
إنتوا مستنيين إيه؟
وأنا كنت شايفاها بتتدخل في حياتي زيادة عن اللزوم.
لكن لما شفتها بالحالة دي، كل الخلافات القديمة صغرت فجأة.
قربت منها وقلت بهدوء
يا ماما
طلع من حلقها صوت ضعيف، وصوابع إيدها اتحركت حركة بسيطة.
فجأة كريم مسكني من دراعي وشدني لورا.
الدكتور قال محدش يقف حواليها، ماتعطليش الناس.
إيده كانت ضاغطة على دراعي بقوة.
بصيت لإيده، لكن ماسحبتش دراعي ولا اتكلمت.
فضلنا بين طوارئ وأشعة وتحاليل وتوقيعات لحد الساعة تسعة بالليل.
ولما الدكتور خرج، كان كريم واقف، ومعاه أخته الكبيرة نهى، وأخوه الصغير أحمد كان فاتح معاهم فيديو كول لأنه مسافر.
نهى كانت لسه جاية من شغلها،
بالمكياج والهدوم، وموبايلها بينور كل شوية من كتر الرسايل.
الدكتور مسك الأشعات وقال
للأسف الجلطة أثرت على حركة الناحية اليمين، وفيه كمان مشكلة في البلع. التحسن بعد كده هيعتمد على العلاج الطبيعي والرعاية.
كريم سأله بسرعة
يعني هترجع زي الأول؟
الدكتور سكت لحظة.
وبعدين قال
مقدرش أوعدكم.
الجملة نزلت علينا كلنا تقيلة.
نهى كانت أول واحدة تتكلم
يعني لازم حد يفضل معاها في المستشفى؟
الدكتور هز راسه.
يفضل يكون معاها حد 24 ساعة. لازم تغيير وضعية الجسم باستمرار، والأكل والشرب والنظافة لازم يكونوا بحذر شديد علشان نتجنب التهاب الرئة وقرح الفراش.
نهى بصت لكريم وقالت
إنت ابنها، شوف هتعمل إيه.
كريم رد بسرعة
أنا عندي شغل بكرة! المشروع عندنا داخل مراجعة ومقدرش أخد إجازة.
أحمد قال من الموبايل
والله يا جماعة أنا كمان مش هقدر أنزل. الإدارة عندنا اتغيرت ولو طلبت إجازة دلوقتي ممكن أخسر شغلي.
نهى رفعت شنطتها على كتفها وقالت
وأنا المحل مينفعش يتساب. هاتوا ممرضة أو حد يقعد معاها.
في اللحظة دي، كريم بصلي.
نظرة صغيرة جدًا.
لكنها قالت كل حاجة.
هو كان محدد من البداية مين اللي هيتحمل المسؤولية.
قلت
تمام. نجيب حد متخصص يرعاها، والتكلفة تتقسم على ولادها التلاتة.
نهى رفعت حاجبها.
يعني إيه؟
بصيتلها.
يعني بالظبط اللي سمعتيه.
ضحكت ضحكة صغيرة مستفزة.
يا منى، ماتتكلميش كأننا أغراب. ماما برضه خدمتكم كتير قبل كده.
فكرت شوية.
آه حماتي فعلًا كانت بتعتبر نفسها بتساعدني.
قعدت عندنا شهرين، كانت كل يوم تغير أماكن حاجات المطبخ، وتقول إن القهوة اللي بشربها سم، وتطلع هدومي من الغسالة لأنها مقتنعة إن هدوم الستات مينفعش تتغسل مع هدوم الرجالة.
كانت بتطبخ الأكل اللي كريم بيحبه.
أما أنا، فكنت ساعات برجع من الشغل الساعة عشرة بالليل ألاقي نصيبي طبق رز ناشف.

بس ماجادلتش.
قلت
وجود حد متخصص هو الحل العملي.
وش كريم اتغير.
الموضوع مش فلوس يا منى. الغريب عمره ما هيخاف عليها زي أهلها.
بصيتله وقلت
يبقى اقعد إنت معاها.
سكت.
نهى دخلت بسرعة
يا جماعة بلاش خناق دلوقتي، ماما جوه تعبانة.
وبعدين بصت في موبايلها وقالت
أنا لازم أمشي، عندي ناس مستنياني في المحل.
وأحمد قال بسرعة
يا كريم، إنت ومنى استحملوا أول كام يوم بس، وأنا أول ما الدنيا تهدى هنا هنزل.
وقفل المكالمة.
فضلت أنا وكريم واقفين تحت نور المستشفى الأبيض.
كنت مستنية منه يقول
هنعمل إيه؟
أو حتى
شغلك يسمحلك بإيه؟
لكنه لف ناحيتي وقال بمنتهى الطبيعية
منى، خليكي إنتِ معاها اليومين دول.
بصيتله.
عندي اجتماع الساعة تسعة الصبح.
قال
أجليه.
مينفعش.
اتعصب.
ما إنتِ أصلًا بتشتغلي من البيت! إيه المشكلة؟ الشغل شغل، خدي اللابتوب معاكي المستشفى واشتغلي من هنا.
ساعتها فهمت.
المشكلة مش إنه افتكر فجأة إني الحل.
المشكلة إنه من البداية
عمره ما اعتبر شغلي شغل أصلًا.
2
في اليوم التالت، الحاجة فاطمة خرجت من العناية واتنقلت أوضة عادية.
الأوضة فيها ست سراير، وسريرها كان جنب الشباك.
جسمها بقى ضعيف جدًا.
إيدها اليمين مقفولة على نفسها، ورجلها كأنها مش جزء منها.
أنا اللي دورت على واحدة متخصصة تقعد معاها.
اسمها أم هاني، ست في الخمسينات، سريعة ونضيفة وبتتكلم بصراحة.
من أول يوم، طلعت ورقة وبدأت تقول لكريم
هنحتاج مفارش طبية، ومناديل مبللة، ووسادة للتقليب، وأدوات تنظيف، ومستلزمات للأكل والشرب
كريم عقد حواجبه.
كل ده؟!
أم هاني بصتله وقالت
خدمة مريض الجلطة محتاجة ده كله. لو أهملناه لحد ما جسمه يقرّح، ساعتها هنعرف يعني إيه تعب بجد.
كريم اتكسف من طريقتها.
وبدل ما يقوم يجيب الحاجات، لف ناحيتي.
منى، انزلي هاتيهم.
خدت الورقة من إيده ورجعتها له.
انزل إنت.

بصلي باستغراب.
أسيب ماما لوحدها؟
قلت
أم هاني معاها.
قال
طب أنا معرفش أجيب الحاجات دي منين.
كل حاجة مكتوبة في الورقة.
فضل باصصلي كأني عملت جريمة.
وفي الآخر أنا اللي نزلت،
 

تم نسخ الرابط