بنتي العمياء
بعد 13 سنة من طلاقي من جوزي، قابلته بالصدفة في مسابقة للنوابغ ومعاه ابن الست اللي اتجوزها بعدي.
أول ما شافني، صرخ قدام الناس كلها
إنتِ إزاي تجرئي تيجي هنا؟!
لكن محدش كان متوقع اللي حصل بعد كده
لما ولادي التوأم طلعوا يستلموا الميداليات الدهب، وشافوا أبوهم قدامهم، وشّهم بدأ يتحول للون البنفسجي
ودلوقتي صوت مقدمة الحفل كان بيرتعش من كتر الحماس، جايين لأهم جايزة في مسابقة العباقرة السنوية جايزة المركز الأول لأذكى اتنين شاركوا السنة دي، بعد ما حققوا الدرجة النهائية الكاملة من غير غلطة واحدة ودي أول مرة تحصل في تاريخ المسابقة!
سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت وقالت
مبروك للتوأم ليو وإيثان هولواي!
المسرح انفجر بالتصفيق.
الناس قامت من أماكنها، والقاعة كلها دوّت بالهتاف.
لكن أنا ماسمعتش أي حاجة.
كنت حاسة إن الدم نفسه وقف في عروقي.
ومن الصف المخصص للفائزين، قام ولدين مراهقين وطلعوا ناحية المسرح.
وفي اللحظة دي، الشاشات العملاقة وراهم عرضت صورتهم بوضوح شديد.
أنا حبست نفسي.
مابقتش قادرة آخد نفس.
لأني كنت ببص على أشباح.
نفس شكل مناخيرهم الرفيع.
نفس الفك الحاد.
نفس الملامح اللي شفتها في المراية وأنا في سنهم.
كانوا نسخة مني كأني كنت ببص على نفسي وأنا عندي 13 سنة.
لكن عيونهم
عيونهم كانت حاجة تانية.
غامقة، عميقة، وهادية بشكل يخوف.
نفس عيون أمهم
هولواي.
المقدمة كررت اسم العيلة وهي بتبتسم.
اسم أمهم قبل الجواز.
اسم أنا نفسي حاولت أنساه من 13 سنة.
وفي اللحظة دي، صوت صرخة قطّع هدوء القاعة.
إيه ده؟!
مراتي، نادين، كانت واقفة مكانها وهي بتبص للشاشة بصدمة.
دي غلطة! أكيد فيه غلطة!
كل العيون اتوجهت عليها.
لكنها مااهتمتش.
كانت بتصرخ
فين اسم كريم؟! ابني لازم يكون هو اللي كسب!
ساعتها الشاشة اتغيرت، وظهرت قائمة المراكز الأخيرة.
اسم كريم ابنها، اللي عمره ما وصل للمكان ده إلا بفلوسي ونفوذي كان في آخر القائمة.
آخر اسم خالص.
نادين وشها احمر من الغضب.
المسابقة دي متفبركة!
ضربت بإيديها على سور المقعد المخمل.
أنا دافعة فلوس قد كده عشان ابني ينجح! إزاي ابني يخسر قدام اتنين محدش يعرف أبوهم مين؟!
الجملة دي نزلت عليّا كأنها خنجر.
محدش يعرف أبوهم؟
بصيت لها.
وبعدين بصيت على الولدين اللي واقفين فوق المسرح.
ولأول مرة من 13 سنة
فهمت الحقيقة كاملة.
الولدَين دول كانوا ولادي.
ولادي أنا.
الدم اللي في عروقهم دمي.
العقل اللي خلاهم يكسروا كل أرقام المسابقة عقلهم.
والعبقرية اللي الناس كلها بتصفق لها دلوقتي
أنا رميتها بإيدي بعيد من 13 سنة.
عشان أشتري حياة مليانة فلوس، ومظاهر، واسم كبير وحب مزيف.
كنت فاكر إني كسبت الدنيا.
لكن وأنا ببص لولادي واقفين فوق المسرح كأنهم ملكوا المكان
اكتشفت إني كنت أغبى واحد في القاعة.
نادين شدتني من الجاكيت بعصبية.
ياسر! اعمل حاجة!
ضوافرها غرست في هدومي.
إنت الراعي الرسمي للمسابقة! اطلب إعادة التصحيح! قول لهم يعيدوا الحسابات! ماينفعش ابني يخسر قدام العيال دول!
فضلت
وبعدين مسكت إيدها وشلتها من على هدومي.
بهدوء مخيف.
قربت منها وقلت بصوت واطي، لكنه كان مليان تهديد
اخرسي يا نادين.
اتجمدت.
كملت وأنا ببصلها في عينيها
اخرسي دلوقتي قبل ما أخلي كل اللي عملتيه طول السنين دي ينهار قدام الناس.
وشها شحب.
إنت بتتكلم جد؟
أنا عمري ما كنت جاد زي دلوقتي.
سيبتها واقفة مكانها.
وقمت من مكاني.
البدلة اللي دفعت فيها مبلغ يكفي مرتب موظف سنين، فجأة حسيتها خانقاني.
كل الفلوس اللي صرفتها.
كل العلاقات اللي بنيتها.
كل الناس اللي اشتريتهم.
كل النجاح اللي كنت فاكره إنجاز
كل ده ماكانش له أي معنى.
رفعت عيني للمسرح.
الولدين كانوا واقفين هناك.
ليو وإيثان.
ولادي.
الولدين اللي حرمت نفسي منهم 13 سنة كاملة.
وبدون ما أبص ورايا، خرجت من الصف.
مشيت ناحية المسرح.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتقربني من الحاجة اللي هربت منها 13 سنة.
الحقيقة.
الحقيقة اللي كنت فاكر إني دفنتها زمان.
لكن وأنا بقرب من المسرح
ماكنتش أعرف إن في الناحية التانية من القاعة، كانت أم ولادي قاعدة بهدوء.
بتبصلي.
وعلى شفايفها ابتسامة صغيرة
ابتسامة واحدة بس كانت كفاية تفهمني إن اللي بيحصل دلوقتي
ماكانش صدفة.
وإن المسابقة دي
ماكانتّش مجرد مسابقة.
دي كانت أول خطوة في الحساب.
الجزء الثاني
ثبتُّ مكاني وأنا ببص لعليا.
13 سنة.
13 سنة وأنا أقنع نفسي إنها صفحة واتقفلت.
لكن الحقيقة إن الصفحة ما اتقفلتش.
أنا اللي قفلت عيني عنها.
عليا قامت من مكانها،
آدم وياسين كانوا لسه واقفين جنب بعض.
وشوشهم هادية.
لكن أول ما عيونهم قابلت عيني
الاتنين اتجمدوا.
ماعرفوش مين أنا.
طبيعي.
بالنسبة لهم، أنا مجرد راجل غريب واقف وسط الجمهور.
لكن أنا عرفتهم.
عرفت كل تفصيلة في وشهم.
كان آدم بيشد إيده الشمال لما يتوتر.
وأنا كنت بعمل نفس الحركة وأنا صغير.
وياسين كان بيميل راسه سنة بسيطة وهو بيركز في اللي قدامه.
حتى دي كانت عادتي.
حسيت إن قلبي بيتقطع.
قربت من المسرح خطوة.
وفجأة
مقدمة الحفل قالت
قبل تسليم الميداليات، عندنا تقليد مهم جدًا. الفائزون بالمركز الأول بيقفوا مع أولياء أمورهم على المسرح.
ابتسمت وهي بتبص ناحية الصفوف.
فين والدة آدم وياسين؟
عليا قامت.
القاعة كلها بصت لها.
مشيت ناحية المسرح بخطوات ثابتة.
وأنا واقف تحتها.
ولما عدت من جنبي
وقفت.
بصتلي.
وقالت بمنتهى الهدوء
إزيك يا ياسر؟
صوتها كان هادي بشكل وجعني أكتر من أي صرخة.
قلت
عليا
ردت
متقلقش.
وبصت على الولدين.
هما لسه مايعرفوش إنك أبوهم.
الكلمة نزلت عليّا كأن حد ضربني في صدري.
يعني
قاطعتني
مش هنا.
ومشيت.
طلعت على المسرح.
وقفت بين التوأم.
المقدمة سلمتهم الميداليات.
آدم ابتسم.
ياسين ضحك.
الجمهور صفق.
وأنا؟
كنت واقف تحت المسرح، مش قادر أتحرك.
وفجأة
سمعت نادين بتصرخ من ورايا
سيف!
لفيت.
ابنها كان واقف جنبها، ووشه أحمر من الغضب.
لكن اللي حصل بعد كده خلّى كل حاجة تتغير.
آدم حط إيده على بطنه.
ياسين عمل نفس الشيء.
وبصعوبة قال آدم
ماما
عليا لفت بسرعة.
مالك يا حبيبي؟
آدم بدأ يترنح.
وياسين وقع على ركبته.
وفي ثواني
وش الولدين بدأ يتحول للون البنفسجي.
صرخ حد من