الممرضة افتكرته عامل غلبان حكايات بسمة

لمحة نيوز


وفي يوم وهما ماشيين في حديقة الأزهر، مريم قالت له عن حلمها.
نفسي أعمل عيادة صغيرة للناس الغلابة.
عيادة؟
آه. تفتح بالليل وفي الويك إند. عشان الناس اللي شغالة طول اليوم تقدر تكشف من غير ما تخسر شغلها.
حسام بص لها باهتمام.
حاطة خطة؟
مريم ضحكت.
أنا عندي ميزانية، وتصميم مبدئي، وقايمة دكاترة ممكن يساعدوا، وحتى حسبت تكاليف الأجهزة.
أومال إيه اللي موقفك؟
ابتسمت بحزن.
الأحلام مش بتدفع الإيجار.
حسام سكت.
كان واضح إنه عايز يقول حاجة.
مريم، أنا
لكن نور جريت عليهم وهي ماسكة ورقة كبيرة.
ماما! بصي رسمت المستشفى!
اللحظة ضاعت.
بعد كام يوم، مريم كانت بتساعد حسام يملى استمارة علاج.
سألته عن دخله.
حسام قال رقم صغير جدًا.
رقم يخليه مؤهل لمساعدة طبية.
مريم ما استغربتش.
لكن حسام حس بالذنب.
لأنه كان بيكدب.
هو مكنش عامل.
ومكنش محتاج مساعدة.
لكن لأول مرة في حياته، كان فيه حد بيتعامل معاه من غير ما يعرف هو مين.
وده بالضبط اللي كان محتاجه.
لحد اليوم اللي كل حاجة اتغيرت فيه.
مريم كانت مشاركة في يوم طبي مجاني في المستشفى.
وفجأة افتكرت إنها نسيت ملف مهم في مكتب الإدارة.
جريت للممر الإداري.
وهي ماشية، صورة كبيرة على الحيطة شدت انتباهها.
وقفت.
بصت للصورة.
وبعدين قربت.
الراجل اللي في الصورة كان لابس بدلة غالية.
شعره متصفف.
وشكله مختلف تمامًا.
لكن العينين
نفس العينين.
مريم حسّت إن إيديها بردت.
بصت للاسم المكتوب تحت الصورة
حسام عبدالسلام مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة عبدالسلام للرعاية الصحية، والمالك الرئيسي لمستشفى النور الدولي.
مريم فضلت واقفة مش قادرة تستوعب.
الملف وقع من إيدها.
حسام اللي كانت فاكرينه عامل بسيط كان صاحب المستشفى اللي هي شغالة فيه.
والأغرب

من كده
إنه كان عارف من أول يوم مين هي.
وعارف إنها أم لبنت صغيرة.
وعارف عن حلمها بإنشاء عيادة مجانية.
وكان عنده سبب محدد جدًا يخليه يخفي حقيقته عنها.
سبب لو عرفته مريم
هتكتشف إن مقابلتهم الأولى في المستشفى مكنتش صدفة أصلًا.
حكايات بسمه
الملف وقع من إيد مريم، وصوته رن في الممر الإداري الهادي. كانت واقفة قدام الصورة، صدرها بيعلى ويهبط، وعينيها متثبتة على الاسم حسام عبدالسلام المالك الرئيسي لمستشفى النور الدولي.
الصدمة كانت زي المية الباردة اللي نزلت عليها. افتكرت كل لحظة الجاكت القديم، بقع الأسمنت، الشاش، التوكة الزرقا، القهوة، كلامه عن شغل المواقع، وضحتك مع بنتها نور لما سألته إنت هتبقى إيه لما تكبر؟ وهو يجاوبها ببساطة لسه بحاول أعرف.
كل ده كان كدب؟ تمثيلية؟
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات راجل جاية من آخر الممر. التفتت بسرعة.
كان حسام طالع من مكتب المدير التنفيذي. المرة دي ما كانش لابس جاكت شغل عليه شحم ولا جزمة فيها طين... كان لابس بدلة كحلي أنيقة جداً، وساعة فاخرة في إيده. أول ما رفع عينيه وشاف مريم واقفة قدام الصورة والملف واقع على الأرض، اتجمد مكانه.
حسام بلع ريقه، ولونها خطف، وقرب منها بخطوات هادية وصوت مليان ارتباك
مريم...
مريم رجعت خطوة لورا، وعينيها كانت مليانة دموع ووجع
حسام عبدالسلام... صاحب المستشفى... إنت كنت بتلعب عليّ يا حسام؟
مريم، اسمعيني بس... والله العظيم الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
مريم صرخت بصوت مكتوم وهي بتمسح دموعها
أسمع إيه؟! أسمع إنك كنت جاي تمثل عليّ دور العامل الغلبان اللي مش معاه حق الدوا؟ أسمع إنك خليتني أحكيلك عن ظروفي وعن بنتي وعن حلمي وأنا فاكراك زيي، وأنت في الحقيقة عندك مليارات وبتمتلك المكان
اللي أنا شغال فيه ممرضة بيكفي مصاريف بالعافية؟!
حسام مسك إيدها بكل رقة، صوته كان بيرتعش وواضح فيه الصدق
أنا مكنتش بضحك عليكي... أنا دخلت المستشفى يومها فعلاً وأنا نازف وموجوع، بس مش عشان كنت شغال في موقع. أنا كنت في زيارة مفاجئة ومخفية لفرع المستشفى عشان أراجع شبكة الإطفاء بنفسي، وسلك صلب جرح دراعي في المخزن الخلفي.
نزل إيده وبص في عينيها بثبات
مريم... أنا لما جيت الاستقبال يومها، كنت قرفان من الدنيا كلها. كنت شايف إن كل الناس بتتعامل معايا عشان جيب اسم عبدالسلام وعشان فلوسي. الدكاترة والموظفين كانوا بيمسحوا الجو قدامي، وما حدش كان شايفني أنا كبني آدم. لكن إنتِ... إنتِ الوحيدة اللي قربتِ مني وأنا منظري زي العمال، من غير ما تسألي عن تأمين، ومن غير ما تدوري على حسابي.
مريم بصت له بنظرة مكسورة
ده واجبي كممرضة... أنا بعامل ربنا.
وأنا بعاملك كإنسان يا مريم! لما أخدت التوكة الزرقا من شعرك وربطتِ بيها جرحي... أنا حسيت إن الروح ردت فيّ. لأول مرة من سنين ألاقي حد بيخاف عليّ ويهتم بيّ من غير مقابل.
نور دموعها نزلت وقالت بمرارة
بس إنت كدبت عليّ... وجيت تاني وتالت وأنت لابس الوش ده! وعرفت كل حاجة عن حياتي وبنتي!
حسام أخد نفس عميق، وطلع من جيب بدليته حاجة صغيرة.
فتح إيده... كانت التوكة الزرقا القديمة اللي ربطت بيها مريم جرحه في أول يوم! كان محتفظ بيها ومغسولة ومربوطة بحرص.
حسام قال بصوت دافي مليان حنية
كدبت لأني كنت خايف... كنت خايف أول ما تعرفي إني صاحب المكان، عينيكي تتغير، المعاملة تبرد، وترجعي تتكلمي معايا برسمية ورعب زي باقي الناس. أنا اتعلمت أكون حسام البني آدم معاكي إنتِ ونور. أنا حسيت بالدفء والبيت اللي انحرمت منه طول عمري.
مريم
بصت للتوكة الزرقا في إيده، وبعدين بصت له
والعيادة؟ والأسئلة اللي كنت بتسألهالي؟
حسام ابتسم بحب وطلع من جيب جاكيته الثاني عقد ملكية موثق في الشهر العقاري وقدمه لها
مقابلتنا الأولى كانت صدفة يا مريم... بس اللي جه بعدها ما كانش صدفة. أنا عرفت عن حلمك، وعرفت إنك بتسري الليل تفكري في الناس الغلابة. والعقد ده... عقد قطعة أرض ومبنى كامل قريب من منطقتك، متسجل باسمك وباسم عيادة مريم المجانية للرعاية الصحية.
مريم اتفاجئت، وبصت للورق بذهول
إيه ده؟
دي مش صدقة ولا منة... دي شراكة. إنتِ بالروح والضمير والميزانية والتصميم، وأنا بالتمويل والأجهزة. إنتِ علمتيني إن المستشفيات فيها أبواب كتير، وأنا قررت أفتح الباب ده للناس الغلابة بسببك.
مريم فضلت باصة له، مش قادرة تتكلم، الدموع في عينيها اتغيرت من دموع صدمة لدموع تأثر.
حسام قرب منها خطوة، وقال بنبرة صادقة
أنا مش طالب منك تسامحيني في ثانية يا مريم... بس طالب منك تدي ل حسام فرصة، مش صاحب المستشفى، لكن الراجل اللي بيحب القهوة بلبن، والراجل اللي بيساعد نور تعمل بيوت من الكرتون، والراجل اللي مستعد يقضي باقي عمره يصونك ويحميكي إنتِ وبنتك.
مريم أخدت التوكة الزرقا من إيده، وبصت له بابتسامة صغيرة وسط دموعها
القهوة المرة دي مش هتكون باردة يا حسام... بس بشرط.
حسام ابتسم بلهفة
شرط إيه؟
إن العيادة تفتح أول الشهر، وإنك تشيل الكروت والبدلة دي لما تكون نازل معايا ونور الأزهر!
حسام ضحك من قلبه، ومسك إيدها بكل حب وامتنان
موافق... وأحلى بيت كرتون لنور هيكون جاهز بكرة!
ومرت الأيام، وافتتحت مريم عيادتها المجانية للناس الفقراء تحت رعاية حسام، وعاشت هي وبنتها نور في أمان وحب مع الراجل اللي غيرت حياته بتوكة زرقا
وقلب طيب، وعرفت مريم إن بعض الصدف بتكون ترتيب من ربنا عشان يجمع القلوب الصافية ببعضها.
تمت

تم نسخ الرابط