امي خدت اختي الكبيرة
افتكرت فستانها الأزرق وطرحتها الخفيفة وهي ماشية نفس المشية دي ورا أمي ومستنية المراجيح.. ورجعت من غيرها.
دخلنا المولد وسط الزحمة والزيطة، الناس بتضحك وبتلعب والأطفال طايرين بالمراجيح، وأمي ماشية في خط مستقيم، ولا اتلفتت لمروحة ولا لغزل بنات. كانت عارفة طريقها كويس، طريق محدش يعرفه غيرها. مشينا لغاية ما خرجنا من الزحمة الكبيرة، ودخلنا في زقاق ضيق ورا مقام الشيخ، الحتة هناك كانت هادية وضلمة، ومافيش غير لمبة صفرا واحدة بتترعش على أول الشارع.
وقفت أمي قدام بيت قديم، بابه خشب متأكل، وخبطت تلات خبطات متقطعة.
قلبي كان هيقف. كنت بمسك نفسي بالعافية عشان ما أصرخش وأسألها: "إحنا هنا ليه؟ فين أختي؟". الباب اتفتح بالراحة، وظهرت من وراه
قلبي كان هيقف. كنت بمسك نفسي بالعافية عشان ما أصرخش وأسألها: "إحنا هنا ليه؟ فين أختي؟". الباب اتفتح بالراحة، وظهرت من وراه ست كبار في السن، وشها مليان طيبة ونور، بس يظهر عليها التعب والشقا. أول ما الست شافت أمي، عيونها دمعت وابتسمت ابتسامة دافية، وقالت بصوت مليان شجن: "صفية؟ تعالي يا حبيبتي.. تعالي ادخلي."
أمي دخلت وأنا وراها زي الخيال. البيت كان بسيط جدًا، بس نضيف وريحته البخور والمسك. الست بصلتي بشوق غريب، وقربت مني ومسكت إيدي بتترعش وقالت: "دي عبير؟ كبرتي وبقيتي زي القمر يا بنتي.. زي أختك بالظبط."
أول ما سمعت كلمة "أختك"، ركبي خارت تحت مني. أمي
الست فاطمة هزت راسها بدموع وقالت: "حقك عليا يا صفية.. والله شايلالها في عيني، وربنا يعلم إني عامليتها كأنها حتة مني."
وفجأة، اتفتح باب الأوضة الجوانية.. وخرجت منها أحلام.
وقف الزمان في اللحظة دي. عيني جت في عينها. كانت هي.. أحلام! كبرت، ملامحها اتغيرت شوية وبقت آنسة زي العسل، بس نفس العيون الحنينة، ونفس الشامة الصغيرة اللي جنب شفايفها. أحلام أول ما شافتني، سابت اللفة اللي كانت في إيدها، وصرخت بصوت واطي: "عبير!"
جرينا على بعض وعيطنا بالدموع اللي حابسينها من تمان سنين. اترسخت في حضنها كأني كنت غرقانة ولقت البر. عياطنا كان بيهز البيت، مسكت وشها بإيديا أتعرف على ملامحها، وهي تمسح دموعي وتقولي: "وحشتيني يا عبير.. والله ما نسيتك يوم، والله كنت بسأل عليكِ كل ليلة."
قعدنا الأرض تحت رجلينا ومش قادرين نسيب إيدين بعض. وسط دموعنا وحضننا اللي ما بيخلصش، بدأت الست فاطمة تتكلم، وحكتلي السر اللي عاش مخفي تمان سنين، السر اللي غير حياتنا كلها.
قالتلي الست فاطمة وهي بتبص لأمي بامتنان وحزن: "أنا يا بنتي ست ربنا ما رزقنيش بالخلفة، وجوزي الله يرحمه سابني من
كملت الست فاطمة وهي بتمسح دموعها: "أمك اتفقت معايا على سر.. قالتلي: 'يا فاطمة، انتي نفسك في حتة عيل يتولى أمرك، وأنا عندي بتين مش عارفة أربيهم من الفقر وظلم الأعمام. أنا هسيبلك أحلام تتوليها وتصرفي على تعليمها وتعتبريها بنتك، والمبلغ الصغير اللي هيطلع من شغلي وشغلك هيروح لمصاريف مدرسة عبير، وبكده البتين يتعلما وما يترموش في الشارع.' أمك ما بعتش أختك يا عبير.. أمك ضحت بقلبها عشان تنقذكم انتوا الاتنين!"
بصيت لأمي وأنا مش مصدقة. أمي اللي كنت فاكراها قاسية ومش حاسة بينا، أمي اللي كنت بظن إنها اتخلت عن بنتها.. كانت بتتحمل نار الشوق والوجع كل يوم عشان إحنا نعيش ونتعلم.
أحلام كملت كلامها وهي بتبص لأمي بحب: "أمي كانت بتيجي تجيبلي مصاريف المدرسة بنفسها كل شهر يا عبير.. كانت بتيجي تزورني في السر كل ما تقدر، تقعد تبصلي وتعيط وتطمن عليا وتوصي خالتي فاطمة عليا. أمي عمرها ما سابتني، بس كانت حارمة نفسها من كلمة 'ياما' قدام الناس عشان حمايتنا وعشان أعمامنا
الست فاطمة كانت ست طيبة وأمينة، راعت ربنا في أحلام، علمتها وربتها أحسن تربية، وكانت بتسمح لأمي تشوفها دايماً، وكان بيتها بمثابة الملجأ والأمان اللي اتغرمت بيه أختي.
أمي قامت من مكانها، وجات قعدت جنبنا على الأرض. لأول مرة من عشر سنين، شفت دموع أمي نازلة على خدها. إيديها المتقشفة مسكت إيدي وإيد أحلام، وضمتهم على بعض وقالت بصوت مكسور ومبحوح: "سامحيني يا عبير.. سامحيني يا بنتي إن إخفيت عليكي. أعمامك كانوا يدوروا على أي حجة عشان يأذونا أو ياخدوكم يوزعوهم على البيوت يخدموا. كان لازم أضحي، كان لازم أبان جبل وقاسية عشان أحميكم. بس دلوقتي انتي كبرتي، وهتروحي بيت جوزك.. كان لازم أعرفك طريق أختك، عشان لو أخد ربنا أمانته، تبقوا إيد واحدة وسند لبعض، وما تتفرقوش تاني أبداً."
حضنت أمي بقوة، وبست إيديها ورجلها وأنا بصرخ وبقولها: "سامحيني انتي يا امي.. سامحيني إني ظنيت فيكي شر."
قضينا الليلة دي كلنا في حضن بعض. كانت أطول وأجمل ليلة في حياتي. المولد اللي كنت بظن إنه خطف أختي، كان هو المكان اللي رجعهالي. أختي أحلام اللي كبرت وبقت عروسة هي كمان، وقفت معايا في فرحي، وجوزي محمود تفهم كل حاجة وكان سند لينا، ورجعت الأخت لأختها، والدم لدمه.
عرفت ساعتها إن قسوة الأم في أوقات كتير ما بتكونش غير غلاف متغطي بيه حنان مالوش حدود، وأن الظروف لما بتجبرنا على الفراق، الحب الصادق هو