في العزومة العائلية
الكرسي.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بصوت منخفض
نور... لو قلتلك الحقيقة، حياتنا كلها هتتغير.
رديت بهدوء
حياتنا اتغيرت بالفعل.
أنا بس لسه عايزة أعرف الحقيقة.
محمود غمض عينه.
وبعد ثواني قال
هند مش بتستثمر فلوس العيلة.
قلبي وقع.
أمال بتعمل إيه؟
رفع عينه وبصلي.
هي بتسد بيها ديون.
ديون مين؟
سكت.
وبعدين قال
ديون أخويا الكبير.
أنا اتصدمت.
كريم؟
هز راسه.
أيوه.
وإنتوا مخبيين ده عن ماما وبابا؟
ماما وبابا لو عرفوا، هيموتوا من الصدمة.
وعشان كده أخدتوا فلوسهم؟
كنا هنرجعها.
والمتين ألف بتوعنا؟
كنا هنرجعهم برضه.
صرخت
إنتوا كنتوا بتخططوا ترجعوا الفلوس إزاي؟
محمود سكت.
وبعدين قال جملة خلت الدم ينسحب من وشي
بعد ما نبيع الشقة.
بصيت له.
شقتنا؟
هز راسه.
الشقة اللي إحنا ساكنين فيها؟
أيوه.
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد فلوس ضاعت.
كان فيه مخطط كامل.
وكان جوزي جزء منه.
والأسوأ من كل ده...
إنهم كانوا ناويين يبيعوا شقتنا من غير ما يقولولي.
لكن محمود ما كانش يعرف إني في اللحظة دي كنت بالفعل ماسكة موبايلي...
وبسجل كل كلمة قالها.
الجزء الأخير
فضلت باصة لمحمود كام ثانية، وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
يعني إنتوا كنتوا ناويين تبيعوا شقتنا؟
محمود وطّى عينه.
الشقة مش باسمك لوحدك.
ضحكت بمرارة.
بس باسمنا إحنا الاتنين.
وعشان كده لازم كنت أعرف.
كنتِ هتوافقي؟
طبعًا لأ.
أهو عشان كده ما قلناش.
الجملة دي كانت كفاية بالنسبة لي.
ما بقيتش محتاجة أسمع أي تبرير تاني.
قفلت تسجيل الصوت، وبعت نسخة لنفسي على الإيميل.
وبعدين قمت من مكاني.
محمود سألني
إنتِ رايحة فين؟
أنام.
بس إحنا لسه بنتكلم.
إحنا خلصنا كلام.
دخلت الأوضة وقفلت الباب.
الليلة دي ما نمتش.
لكن مش عشان كنت منهارة.
لأ.
كنت بفكر.
إزاي أحمي نفسي؟
وإزاي أرجّع فلوسي؟
وإزاي أخلي كل واحد فيهم
تاني يوم الصبح، خرجت من البيت بدري من غير ما أقول لمحمود رايحة فين.
أول مكان روحتله كان البنك.
شرحت للموظف إن فيه تحويلات مالية كبيرة تمت من حساب مشترك من غير موافقتي، وطلبت أعرف الإجراءات القانونية المتاحة لوقف أي تصرفات مستقبلية في الحساب.
وبعدها روحت لمحامي.
حكيتله كل حاجة من أول يوم اتقال فيه إن كل أفراد العيلة لازم يسلموا فلوسهم لهند.
وريته رسائل محمود.
وتسجيل اعترافه.
وكشوف التحويلات.
المحامي فضل ساكت وهو بيقلب في الأوراق.
وبعدين قال
إنتِ عندك موقف أقوى مما تتخيلي.
سألته
يعني أقدر أمنع بيع الشقة؟
قال
طالما الشقة مشتركة ومفيش موافقة منك على البيع، ما حدش يقدر يتصرف فيها بالشكل اللي هما عايزينه.
ارتحت لأول مرة من كام يوم.
وبعدين سألته
والفلوس؟
قال
دي محتاجة نعرف راحت فين بالضبط. ولو ثبت إن حد استخدمها في غرض غير اللي اتقالك عليه، الموضوع ممكن ياخد منحنى تاني تمامًا.
خرجت من عنده وأنا لأول مرة حاسة إني مش لوحدي.
في نفس اليوم بالليل، رجعت البيت.
محمود كان مستنيني.
إنتِ كنتِ فين؟
مشغولة.
بقالك يومين بتتصرفي بغرابة.
أنا؟
ضحكت.
الغريب إنك شايف تصرفاتي غريبة بعد كل اللي عملته.
قرب مني
نور، إحنا لازم نحل الموضوع بينا.
تمام.
هند قالت إنها هترجع الفلوس.
كلها؟
أيوه.
إمتى؟
قريب.
قريب دي إمتى؟
سكت.
قلت
أنا عايزة الفلوس خلال أسبوع.
نور...
أسبوع واحد.
ولو ما رجعتش؟
بصيت له بثبات
ساعتها كل واحد هيتحمل نتيجة اللي عمله.
بعد يومين، حصلت المفاجأة.
ماما محمود اتصلت بيا وهي منهارة.
نور، تعالي عندنا بسرعة.
في إيه؟
هند اختفت.
اتجمدت.
اختفت إزاي؟
مش بترد على حد، وفلوسنا كلها مش موجودة.
قفلت المكالمة وطلعت على بيتهم.
لقيت ماما محمود بتعيط، وبابا محمود ماسك راسه بإيده.
أما كريم، أخوه الكبير، فكان واقف في ركن الصالة ووشه أبيض.
بصيت له.
إيه اللي حصل؟
ما ردش.
محمود قال
هند سحبت جزء كبير من الفلوس من الحساب.
جزء كبير؟
كل الفلوس تقريبًا.
بصيت لكريم.
وفلوسنا؟
محمود قال
لسه مش عارفين.
في اللحظة دي، قلت
أنا عارفة.
الكل بصلي.
طلعت موبايلي.
هند مش هربت بالفلوس.
إنتِ بتقولي إيه؟
هي كانت بتسد ديون كريم.
كريم اتوتر.
ماما محمود بصتله
ديون؟
سكت.
صرخت فيه
كريم! إنت عليك ديون؟
فضل ساكت.
حمايا وقف فجأة
إنت عملت إيه؟
كريم انهار.
أنا... دخلت في مشروع وخسرت.
خسرت كام؟
ما ردش.
محمود قال
كتير.
صرخت حماتي
يعني إيه كتير؟
كريم غطى وشه بإيده.
حوالي سبعمية ألف.
البيت كله سكت.
ماما محمود وقعت على الكرسي.
سبعمية ألف؟!
بصيت لمحمود.
وده سبب التحويلات كلها؟
هز راسه.
أيوه.
والخمسين ألف اللي راحوا لرامي؟
سكت.
قلت
رامي كان صاحب المشروع؟
محمود قال
كان شريك كريم.
والفلوس اللي اتحولت له كانت عشان يسكت عن الخسارة.
هز راسه.
بدأت الصورة تكتمل.
العيلة كلها كانت بتغطي على كريم.
كل واحد كان بيحاول ينقذ أخوه.
وفي الآخر، قرروا يستخدموا فلوسي.
فلوسي أنا.
فتحت موبايلي وشغلت التسجيل.
صوت محمود ظهر واضح
كنا ناويين نبيع الشقة.
ماما محمود رفعت راسها فجأة.
إيه ده؟
محمود وشه اتغير.
نور...
لكن التسجيل كمل.
بعد ما نبيع الشقة.
الشقة اللي إحنا ساكنين فيها؟
أيوه.
حماتي بصت لمحمود بصدمة.
إنت كنت هتبيع شقتك من ورا مراتك؟
ما ردش.
بصيت لهم كلهم وقلت
أنا مش جاية أطلب منكم تعتذروا.
أنا جاية أقولكم إن كل واحد من النهارده هيتحمل نتيجة قراراته.
فلوسي اللي اتحولت لهند هرجعها.
والشقة مش هتتباع.
ومرتب محمود من الشهر الجاي مش هيدخل في أي حساب مشترك من غير موافقتي.
محمود قال
إنتِ عايزة تطلقي؟
بصيت له.
السؤال ده كان متأخر جدًا.
أيوه.
سكت البيت كله.
أنا مش هكمل مع راجل شايف إن من حقه ياخد فلوسي، ويخبي عليا ديونه، ويحاول
أنا فقدت الثقة فيك.
محمود قرب مني
نور، اديني فرصة.
رجعت خطوة.
أنا اديتك فرص كتير.
بس إنت ضيعتها كلها.
بعد أسبوع، قدمت طلب الطلاق.
وفي نفس الوقت، المحامي بدأ الإجراءات لاسترداد المبلغ.
هند ظهرت بعدها بيومين.
اتضح إنها ما كانتش هربانة.
كانت بتحاول تبيع عربية وبعض الممتلكات عشان تسد جزء من الديون.
لكنها كانت أخفت الحقيقة عن الجميع.
والأغرب؟
إنها هي اللي اعترفت بكل حاجة.
اعترفت إن كريم خسر مبلغ ضخم.
وإن محمود كان عارف.
وإنهم اتفقوا إن كل فرد في العيلة يحط فلوسه معاها عشان يجمعوا مبلغ كفاية يسددوا بيه الديون.
واعترفت كمان إنهم كانوا ناويين يبيعوا شقتي وشقة كريم بعد كده.
لكن الخطة انهارت أول ما أنا بدأت أسأل عن الفلوس.
بعد شهور من الإجراءات، قدرت أسترد جزء كبير من فلوسي.
والباقي اتعمل عليه اتفاق قانوني للسداد.
أما محمود...
فكان كل يوم يحاول يكلمني.
مرة يعتذر.
مرة يبعتلي ورد.
ومرة يطلب مني أرجعله.
لكن قلبي كان خلص.
في يوم، قابلته بالصدفة قدام مكتب المحامي.
وقف قدامي وقال
نور، أنا لسه بحبك.
بصيت له وابتسمت.
الحب لوحده مش كفاية.
الجواز محتاج أمان.
وأنا فقدت الأمان معاك.
قال
يعني مفيش أمل؟
هزيت راسي.
لأ.
وسبته ومشيت.
بعد سنة، حياتي كانت مختلفة تمامًا.
نقلت لشقة صغيرة باسمي.
رجعت أرتب حياتي من أول وجديد.
بقيت أراجع حساباتي بنفسي.
وما بقيتش أدي حد فرصة يقرر أنا أصرف فلوسي إزاي.
وفي يوم، وأنا قاعدة في كافيه، جالي إشعار من البنك.
آخر قسط من المبلغ اللي كان ناقصني اتحوّل لحسابي.
بصيت للرقم وابتسمت.
مش عشان الفلوس بس.
لكن عشان افتكرت اليوم اللي كانوا بيقولولي فيه
كل واحد تمنميت جنيه في الشهر كفاية.
افتكرت اليوم اللي جوزي قاللي
فلوس أهل البيت لازم تبقى عند مرات أخويا.
وافتكرت اليوم اللي حاولوا يقرروا يبيعوا بيتي من غير ما
قفلت الموبايل.
وشربت قهوتي بهدوء.
وقلت لنفسي
الفلوس ممكن تتعوض.
لكن الثقة لما تضيع، مش كل الناس تستحق فرصة تانية.
ومن يومها، فهمت إن أسوأ حاجة ممكن يعملها الإنسان مش إنه يخسر فلوسه.
أسوأ حاجة إنه يخسر نفسه وهو بيحاول يحافظ على ناس عمرهم ما حاولوا يحافظوا عليه.