رجعت بدري عن معادي
لما رجعت بدري عن معادي لأرض ابني، لقيت مرات ابني راكعة جوه حظيرة الفراخ، وبتاكل علف بإيديها، عشان بقالها 12 يوم ماكلتش وجبة كاملة، وابني حتى ما اتحركش ولا بان على وشه أي إحساس وقال بكل برود لو هي جعانة، يبقى عشان لسه ما اتعلمتش تطيع. ما اتخانقتش معاه ولا عليت صوتي، طلعت موبايلي وصورت القفل والمزلاج والباب والحظيرة من جوه وكل العلامات اللي كانت باينة على جسم مرات ابني، وبعدها خدت البنت وروحت بيها الطوارئ واتصلت بمحامية، لكن نتيجة التحاليل والأشعات كشفت إصابة قديمة، والإصابة دي كانت بتقول إن اللي حصل كان أسوأ بكتير مما كنت متخيلة، ولما فتحت باب الحظيرة في اليوم ده، كنت فاكرة إني هلاقي مشكلة عائلية كبيرة وخلاص، مشكلة بين ابني ومراته، لكني ما كنتش أعرف إن اللحظة دي هتغير حياة عيلة كاملة، وهتخليني أكتشف إن الفلوس اللي كنت ببعتها من الغربة سنين طويلة ما كانتش بتروح للمكان اللي كنت فاكرة إنه بيكبر ويزدهر، وإن ابني اللي كنت بعتبره سندي الوحيد كان بيخبي عني حاجات لو عرفتها من بدري، كان ممكن أنقذ بيها إنسانة من الموت، أنا كنت عايشة في فرنسا بقالى سنين طويلة، وبعد وفاة جوزي بقيت كل حياتي تقريبًا عبارة عن شغل وفلوس بتحوشها وفلوس تبعتها لابني، كنت دايمًا أقول لنفسي إن التعب ده كله مش مهم، المهم إن ابني يعيش كويس وإن الأرض تفضل بتاعتنا وإن البيت يتصلح وإن المشروع يكبر، وكل مرة كان ابني يتصل بيا ويقول إن الدنيا صعبة وإن أسعار العلف غليت وإن العمال محتاجين فلوس وإن الأرض محتاجة ماكينة جديدة وإن البيت محتاج إصلاحات، كنت أصدق من غير ما أسأل، وكنت أحول له الفلوس وأنا مطمنة، لأنه ابني، ولأن الأم بطبيعتها بتحاول تصدق ابنها حتى لما بعض التفاصيل تبدأ تقول لها إن فيه حاجة غلط، لكن قبل رجوعي بأيام حصلت حاجة صغيرة جدًا هي اللي خلتني أغير موعد السفر، كنت كلمته فيديو واتفاجأت إنه كان بيقفل الكاميرا بسرعة كل ما مرات ابني تعدي من وراه، ولما سألته عنها قال إنها تعبانة ومش بتحب تظهر قدام الناس، وبعدها سمعت صوتها من بعيد بتقول اسمي، وفجأة المكالمة اتقفلت، اتصلت تاني ما ردش، وبعدها بعتلي رسالة قصيرة جدًا قال فيها إن النت فصل، لكني ما صدقتش، مش عشان كنت شاكة فيه، لكن عشان صوتها كان غريب، كان فيه حاجة في صوتها خلتني أحس إنها بتحاول تقول حاجة ومش قادرة، فقررت أرجع قبل الموعد، وما قلتش له إني هاجي بدري، كنت عايزة أفاجئه، وكنت متخيلة إني أول ما أوصل هلاقي البيت مليان حركة، ويمكن أزعل منه عشان ما جهزش لي أوضة كويسة، لكن أول ما نزلت من العربية قدام الأرض حسيت إن المكان مش هو نفسه اللي كنت أعرفه، الأشجار كانت مهملة، باب المخزن مكسور من ناحية، أدوات قديمة مرمية جنب الحائط، والبيت كله كان مقفول رغم إن الوقت كان قريب من الظهر، دخلت من الباب الجانبي اللي كنت دايمًا بستخدمه، وناديت على ابني، ما ردش، ناديت على مرات ابني، برضه ما سمعتش رد، وبعدها سمعت صوت حركة من ناحية الحظيرة، مشيت ناحية الصوت، ولما قربت شفت ابني بيقفل الباب الحديدي ويحط القفل، ولما شافني اتفاجئ لدرجة إن إيده وقفت في مكانها، وقال لي إنتي جيتي إمتى، قلت له النهاردة، قال لي طب ليه ما قولتيش، قلت له عشان أشوفك على طبيعتك، وكنت شايفة التوتر على وشه، فسألته مين جوه، قال لي مفيش حد، قلت له أنا سمعت صوت، قال لي يمكن فراخ، قلت له افتح، قال لي مفيش داعي، قلت له افتح الباب، فضل واقف قدامي، وبعدها قال لي إن مراته جوه، وإنها عملت مشكلة وإنه حابسها شوية عشان تهدى، الكلمة دي خضتني، قلت له حابسها؟ فقال لي ما تكبريش الموضوع، هي بس محتاجة تتعلم إنها مش كل مرة تعمل اللي في دماغها، مد إيده ناحية القفل، لكني كنت أسرع منه وفتحت المزلاج، وأول ما الباب اتفتح شفتها، كانت راكعة على الأرض وسط القش المتسخ، وإيديها مليانة علف، ولما شافتني حاولت تخبي إيدها ورا ضهرها كأنها اتقفشت بتعمل حاجة غلط، قربت منها وقلت لها بصيلي، رفعت عينيها لي، وما عرفتش البنت دي من أول لحظة، دي مش البنت اللي اتجوزت ابني، دي واحدة مرهقة، وشها شاحب، شفايفها ناشفة، شعرها متشابك، هدومها واسعة عليها، وعلى دراعها كدمات بألوان مختلفة، فيه كدمة زرقاء غامقة، وكدمة صفراء قديمة، وعلامة حمرا قريبة من رسغها، سألتها آخر مرة أكلتي إمتى، ما ردتش، بصت لابني، وهو قال لي ما تدخليش نفسك، سألتها تاني، قالت لي من 12 يوم، في اللحظة دي بصيت لابني وقلت له إنت سامعها، قال لي هي بتبالغ، قلت له بتبالغ في إيه، في الجوع؟ قال لي هي اختارت تعاند، قلت له يعني عاقبتها بالجوع، قال لي محدش قال كده، قلت له أمال العلف ده إيه، قال لي هي اللي بتاكله، وأنا ساعتها حسيت إن قلبي اتقبض، طلعت موبايلي وصورت كل حاجة، هو حاول يمنعني، لكني قلت له لو قربت من الموبايل هتكون أول حاجة هقولها للشرطة إنك حاولت تمنعني من توثيق حالة واحدة مصابة، اتراجع، واتصلت بالطوارئ، وبعدها قعدت جنب مرات ابني وغطيتها بالجاكيت، كانت بتترعش وبتقول لي أنا آسفة، قلت لها على إيه، قالت عشان سببتلك مشاكل، قلت لها إنتي ما سببتليش أي مشكلة، أنا اللي آسفة إني ما شفتش، قالت لي هو كان بيقول إن محدش هيصدقني، قلت لها أنا مصدقاكي، حتى لو كل الدنيا قالت غير كده، وبعد وصول الإسعاف نقلوها للمستشفى، وابني حاول يفضل قريب منها، لكني وقفت قدامه وقلت له لأ، قال لي دي مراتي، قلت له ودي إنسانة محتاجة علاج، ولو الدكاترة احتاجوا يسألوها هيسألوها من غيرك، وفي المستشفى بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة، التحاليل قالت إنها تعاني من سوء تغذية حاد وجفاف ونقص في عناصر مهمة، وكان جسمها أضعف بكتير من سنها، والأشعات أظهرت إصابات قديمة وحديثة، وكان فيه كسر قديم التحم بطريقة غير طبيعية، والطبيبة قالت لي إن الإصابة دي ما ينفعش تكون حصلت من سقوط بسيط زي ما ابني حاول يقول، وبعد شوية طلبت تتكلم معايا بعيد عنه، وقالت لي إن فيه إصابة في منطقة الحوض حصلت من فترة طويلة، وإنها غالبًا ما اتعالجتش وقتها، وسألتني هل أعرف إذا كانت مرات ابني تعرضت لحادث أو وقعت من مكان مرتفع، قلت لها لا، وأنا أصلًا ما كنتش موجودة هنا، قالت لي إحنا محتاجين نفهم التاريخ الطبي، وبعدها قالت جملة لسه لحد النهاردة بسمعها في ودني الإصابة دي مش جديدة، وممكن تكون حصلت قبل فترة طويلة جدًا، واللي يقلقنا إنها اتعرضت لأكتر من إصابة من غير