قالوا عليها مجرد طالبه

لمحة نيوز


المكالمة.
وما كانتش تعرف إن الجملة الأخيرة اللي قالها أبوها هتفضل ترن في ودانها طول الليلة.
خلي بالك من نفسك.
الرحلة أقلعت بشكل طبيعي.
أول أربعين دقيقة عدّوا من غير أي حاجة غريبة.
المضيفات كانوا بيوزعوا المشروبات.
طفل صغير كان عمال يشتكي من السماعات.
راجل قاعد قدام نورهان كان فتح اللابتوب ونام قبل ما يخلص تشغيله.
أما الراجل اللي قابلته في المطار، مدحت حلمي، فكان قاعد قدامها بكام صف، ومشغول في اللابتوب بتاعه، بيكتب بسرعة وكأنه داخل على اجتماع مهم.
الدنيا كانت هادية.
لحد ما
الطيارة اتنفضت فجأة.
مش مطب هوائي عادي.
الهزة كانت عنيفة لدرجة إن أكواب وقعت، وناس صرخت، وشنط صغيرة وقعت من فوق.
نورهان مسكت في الكرسي قدامها.
وبصت ناحية مقدمة الطيارة.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت إنذار مكتوم جاي من ناحية الكابينة.
ثواني معدودة عدّت
وبعدين لمبة حزام الأمان نورت.
لكن اللي حصل بعدها كان أسوأ بكتير.
المضيفة جريت ناحية الستارة اللي بتفصل الركاب عن مقدمة الطيارة.
دخلت الكابينة.
خرجت بعد ثواني ووشها متغير تمامًا.
وبعدين رفعت السماعة.
يا جماعة من فضلكم، محدش يقوم من مكانه.
صوتها كان بيرتعش.
ثم قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروق كل اللي على الطيارة
هل فيه طيار بين الركاب؟
نورهان حسّت قلبها وقع في رجليها.
وبعد لحظات، جه النداء التاني
الطيارين الاتنين فقدوا الوعي ولو فيه أي حد عنده خبرة في الطيران، ييجي فورًا على الكابينة!
ثلاثمائة شخص.
ثلاثمائة حياة.
وطيارة بتحلق فوق السحاب.
ومحدش بيتحرك.
نورهان بصت حوالينها.
كل الناس كانت مستنية حد تاني يقوم.
وفي اللحظة دي، افتكرت كلام الراجل في المطار
بعض الأحلام هواية وبعضها شغل وحياة.
نورهان بلعت ريقها.
وبصت ناحية باب الكابينة.
ثم فكرت في أبوها.
في كل ساعة قضاها معاها.
كل تدريب.
كل محاكاة.
كل مرة قالها
إنتِ مستعدة ولا لأ؟
قامت من كرسيها.
لكن قبل ما تتحرك خطوة
صوت راجل من آخر

الطيارة صرخ
إنتِ رايحة فين؟!
الناس كلها بصت عليها.
مدحت حلمي نفسه قام من مكانه.
ولأول مرة، وشه ما كانش فيه أي غرور.
كان فيه خوف.
أما نورهان، فبصت ناحية الكابينة وقالت بهدوء
أنا رايحة أشوف الطيارين.
وما كانتش تعرف إن اللحظة دي هتغير حياتها وحياة ال راكب للأبد.
كابينة القيادة
الخطوة الأولى نحو باب الكابينة كانت أثقل من أي تمرين خاضته على أجهزة المحاكاة طوال حياتها. الصمت في الطيارة كان مطبقًا، عيون ثلاثمائة راكب كانت تلاحقها بنظرات مزيج من الذهول، الاستنكار، والخوف الأعظم. مدحت حلمي وقف مذهولاً في ممره، محتارًا بين غروره القديم وواقع أن هذه الفتاة الصغيرة هي طوق النجاة الوحيد.
فتحت نورهان الباب الفاصل ودخلت.
الرائحة وحدها كانت تنذر بالخطر؛ رائحة غريبة تشبه احتراق أسلاك كهربائية خفيفة مدموجة بنقص الأكسجين.
الكابتن ومساعده كانا ملقيين إلى الخلف على مقعديهما، فاقدي الوعي تمامًا، وأجهزة القيادة واللوحات الإلكترونية تومض بأضواء تحذيرية حمراء وصفراء تنذر بكارثة وشيكة. نظام الطيار الآلي كان قد انطفأ بفعل الارتجاج الكهربائي، والطيارة بدأت تنحرف ببطء شديد نحو مسار خطير.
تجمّدت المضيفة على الباب بملامح شاحبة، وسألت بصوت منهار إنتِ إنتِ مين؟ هتعملي ايه؟!
قالت نورهان بصوت ثابت، رغم أن رجليها كانتا تكادان تفشلان في حملها أنا مهندسة طيران ومعايا رخصة خاصة. اخرجي فورًا وكلمي برج المراقبة، وقوليلهم إن الطيارين فاقدي الوعي، وإن فيه محاولة هبوط اضطراري تتم الآن!
أغلقت الباب خلفها بإحكام، وجلست على مقعد الطيار المساعد.
هنا لا مكان للخوف، ولا وقت للتفكير فيما إذا كانت تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا أم لا. السما لا تسأل عن السن؛ السما تسأل فقط هل أنتِ مستعدة؟
استحضرت في ثوانٍ كل دقيقة قضاها والدها معها. صوت أبيها تردّد في أذنيها كأنه يجلس بجانبها الطيار الشاطر مش اللي بيطير وقت ما الدنيا حلوة الطيار الشاطر اللي يعرف
يتصرف لما كل حاجة تبوظ.
مدّت إيديها بسرعة وثبات، وراحت تراجع لوحة المفاتيح والعدادات الرئيسية.
العطل لم يكن ميكانيكيًا بحتًا، بل هبوط مفاجئ في الضغط ونظام التهوية أدى لتسرب غاز خامل تسبب في إغماء الطاقم. بسرعة فائقة، قامت بتفعيل صمامات الطوارئ لتنقية الهواء في الكابينة، ثم أعادت تشغيل نظام الطيار الآلي الاحتياطي يدويًا لتستقيم الطيارة في مسارها.
التواصل مع الأرض
من الخارج، كان برج المراقبة في مطار القاهرة الدولي في حالة استنفار قصوي.
طيران الرحلة MS804، أين الكابتن؟ نرجو الرد!
رفعت نورهان سماعة الراديو، وابتلعت ريقها، ثم تحدثت بصوت نقي، هادئ، وخالٍ تمامًا من أي ارتعاش برج المراقبة هنا الطيارة MS804. الكابتن والمساعد فاقدي الوعي بسبب عطل في نظام التهوية. معكم نورهان عبدالسلام طاسة قيادة بديلة.
في برج المراقبة، عمّ صمت تام لثوانٍ معدودة، قبل أن يرد المراقب الجوي بصوت مشدود ومسؤول آنسة نورهان؟! هل تسمعينني جيدًا؟ هل أنتِ بمفردك في الكابينة؟! أنا لوحدي، وتم استعادة السيطرة الجزئية على الطيارة ونظام التهوية بدأ يعمل. الكابتن ومساعده بحاجة لتدخل طبي فوري فور الهبوط. أحتاج توجيهًا لأقرب ممر هبوط اضطراري حالاً!
المراقب الجوي، وهو شخص خبير قضى عقودًا في الأبراج، سمع نبرة الثقة والهدوء في صوتها. لم يتردد لحظة واحدة مفهوم يا نورهان. الطاقم الطبي والأمني في انتظارك على الممر رقم 3. أنظمتنا كلها معك، سنرشدك خطوة بخطوة. حافظي على هذا الثبات.
الهبوط الأخير
بدأت نورهان في تنفيذ إجراءات الهبوط. تدريبات أجهزة المحاكاة التي امتزجت بدمائها طوال سبع سنوات أصبحت حقيقة حية. حسابات الارتفاع، زاوية الهبوط، سرعة الرياح، ومسافة المدرج كل شيء كان يتحرك بسرعة البرق أمام عينيها.
في المقصورة الخلفية، كان الركاب في
حالة دعاء مستمر. مدحت حلمي كان جالسًا، مغمض العينين، ويداه متشابكتان بقوة شديدة. أدرك حينها كم كان ساذجًا
حين ظن أن الأحلام تقاس بالعمر أو المظاهر. الفتاة التي استخف بها قبل ساعات في المطار، تحمل الآن حياته وحياة المئات على كاهلها الصغير.
انخفضت الطيارة تدريجيًا. عجلات الإنزال خرجت بصوت ميكانيكي واثق.
الإضاءة الأرضية لمطار القاهرة بدأت تقترب بسرعة مخيفة.
انتبهي يا نورهان، السرعة أعلى قليلاً، خففي الدفع بنسبة عشرة بالمائة جاء صوت المراقب الجوي عبر السماعة.
نفذت الأمر بحرفية تامة.
ملامسة العجلات للمدرج لم تكن هبوطًا ناعمًا بنسبة مئة في المئة، لكنها كانت آمنة، قوية، وثابتة بالشكل الكافي لتبقي الطيارة على الأرض من دون أي أضرار تُذكر.
مع تباطؤ الطيارة وتوقفها التام في نهاية المدرج، انطلقت صفارات الإنذار لتتوقف تمامًا، وعمّ صمت مذهل داخل الطيارة تلاه انفجار من التصفيق الحاد، الصياغ، ودموع الفرج التي غطت وجوه الركاب.
على أرض الواقع
فتحت أبواب الطيارة الطوارئ، وتدفق طاقم الإسعاف والأمن لإنقاذ الطيارين المصابين.
في تلك اللحظة، فتحت نورهان باب الكابينة وخرجت لتلتقي بعيون الركاب. لم تكن هناك هتافات عادية، بل نظرات إجلال وامتنان عميق لا توصف.
مدحت حلمي اقترب منها ببطء، ووجهه يغمره شعور بالغ بالخجل والاحترام. وقف أمامها وقال بصوت خافت ومتحشرج أنا آسف يا بنتي. كنت جاهل لما افتكرت إن الأحلام بتنتهي عند حدود الكلام. أنقذتي حياتنا كلنا اليوم.
نابت نورهان ابتسامة خفيفة وهادئة، ولم تعقب بكلمة جرح، فالحقيقة الأكبر كانت تتحدث عن نفسها.
خرجت من المطار، وهناك، رأت سيارة والدها تنتظر عند البوابة. كان الكابتن محمود واقفًا بجانب السيارة، يستند إلى عصاه، وعيناه تلمعان بدموع الفخر التي لم يستطع إخفاءها.
ركضت نحوه، ورتمت في حضنه غير مبالية بكل ما حدث حولها.
مسح على شعرها بحنان بالغ، وقال بصوت مليء بالفخر قالوا عليها مجرد طالبة يا نورهان بس هما ماكنوش يعرفوا إن السما ما بتسألش عن السن، السما بتسأل مين اللي جاهز بجد.
ابتسمت
نورهان وهي تنظر نحو السماء الصافية، وتأكدت أن رحلتها الحقيقية في الحياة قد بدأت للتو.

 

تم نسخ الرابط