المقابلة النهاءية رشا خالد

لمحة نيوز


من خلف زجاج السيارة.
ثم شغلت المحرك.
وانطلقت.
وصلت إلى مقر المقابلة قبل الموعد بنصف ساعة.
المكان كان مليان بالمتقدمين.
موظفون بيدخلوا ويخرجوا.
وأعضاء اللجنة بيتحركوا بين الغرف.
جلست في قاعة الانتظار.
وبعد حوالي عشر دقائق، دخل أحمد.
أول ما شافني، تجاهلني تمامًا.
جلس في آخر القاعة.
كنت أراقبه من بعيد.
وفجأة لاحظت ملك تدخل المبنى.
تجمدت.
إيه اللي جابها هنا؟
كانت لابسة ملابس رسمية، وفي إيدها ملف.
اتجهت مباشرة ناحية أحمد.
اتكلموا مع بعض بصوت منخفض.
ثم أعطته ظرفًا أبيض.
أخرج أحمد منه ورقة، وقرأها بسرعة.
رفعت موبايلي وصورت المشهد.
بعدها وصلتني رسالة.
صوري الظرف.
فعلت.
ثم رسالة ثانية
ماتواجهيهمش.
ثم ثالثة
الظرف ده فيه سبب استبعادك.
فتحت الصورة وكبرت الجزء الخاص بالورقة.
لم أستطع قراءة كل شيء.
لكن ظهر اسم واضح
هند محمود.
وتحته كلمة
عدم الحضور.
تجمدت.
يعني كانوا مجهزين ورقة تثبت إني لم أحضر المقابلة؟
لكن أنا كنت موجودة.
إذن كانوا يخططون لتقديم مستند مزور؟
وقبل ما أستوعب، نادت الموظفة
الأستاذة هند محمود.
اتفضلي للجنة.
دخلت غرفة المقابلة.
كانت اللجنة مكونة من أربعة أشخاص.
جلست أمامهم.
وفي منتصف الطاولة، كان فيه رجل في أواخر الثلاثينات، هادئ جدًا، يرتدي بدلة رمادية.
رفعت عيني إليه.
توقفت أنفاسي.
كريم سامح.
عضو اللجنة.
الرجل الذي ذكره الرقم المجهول.
هو نفسه.
جلس ينظر إليّ للحظات.
ثم قال
صباح الخير يا آنسة هند.
صباح النور.
فتح الملف أمامه.
ثم قال
قبل ما نبدأ المقابلة، عندنا نقطة محتاجين توضيحها.
قلبي بدأ يدق.
تفضّل.
أخرج ورقة.
وصلنا أمس بالليل بلاغ إلكتروني منك عن واقعة تخص بنت خالك، وذكرتِ فيها إن أحد المتقدمين لنفس الوظيفة له علاقة بالموضوع.
قلت
أيوه.
سألني
هل عندك ما يثبت كلامك؟
أخرجت هاتفي.
عندي تسجيلات المكالمات، الرسائل، وصور، ومحضر الشرطة.
ناولته الهاتف.
أخذ الجهاز.
بدأ يشاهد.
كانت اللجنة صامتة.
وبعد دقائق، رفع كريم عينيه وقال
هل تعرفين إن البلاغ ده ممكن يتسبب في استبعادك لو ثبت إنه مجرد محاولة للتأثير على اللجنة؟
قلت
عارفة.
وعشان كده أنا ما طلبتش استبعاد أحمد.
أنا فقط سجلت الواقعة قبل المقابلة حتى ما يتم تفسير غيابي أو أي مشكلة تحصل ضدي.
نظر لي طويلًا.
ثم سأل
ولو قلت لك إن عندنا دليل إنك أنتِ اللي حاولتِ استغلال الواقعة عشان تزيحي منافسًا؟
قلت فورًا
هطلب أشوف الدليل.
ساد الصمت.
ابتسم كريم لأول مرة.
وقال
وده بالضبط الرد اللي كنت مستنيه.
رفعت عيني إليه.
وفي اللحظة نفسها
وصل إشعار على موبايلي.
الرقم المجهول
أهو، دلوقتي دوري عليكِ.
تجمدت.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى الهاتف.
ثم إليه مرة أخرى.
مد يده ناحية الهاتف.
وقال بهدوء
افتحي الرسالة.
فتحتها.
قرأها.
ولأول مرة، رأيت شيئًا غريبًا في عينيه.
لم يكن خوفًا.
كان ارتياحًا.
قال
كنت مستني اللحظة دي من زمان.
سألته
حضرتك إنت؟
أومأ برأسه.
أيوه.
سكتت.
شعرت إن كل الأسئلة اللي كانت بتطاردني طول الليل وجدت طريقها أخيرًا.
قلت
ليه؟
نظر إلى باقي أعضاء اللجنة.
ثم أغلق الملف.
وقال
لأن اللي حصل معاكِ الليلة دي مش أول مرة.
السنة اللي فاتت، حصلت نفس الحكاية مع متقدمة كانت جايبة أعلى تقييم.
قبل المقابلة بيوم، اتبعتلها رسالة إن والدتها في المستشفى.
خرجت من الفندق.
ما لحقتش المقابلة.
والوظيفة راحت لمرشح كان ترتيبه بعدها مباشرة.
سألته
وأحمد؟
قال
كان موجودًا في كلتا الحالتين.
شعرت بصدمة.
لكن إزاي عرفتوا؟
قال
لأننا بدأنا نراجع كل شيء.
وأنا تحديدًا كنت المسؤول عن مراجعة ملفات المرشحين.
لكن ما كانش عندي دليل كافي.
ثم أضاف
لحد ما بدأت ملك تتواصل معاكِ.
قلت
إنت اللي كنت بتبعتلي الرسائل؟
ابتسم.
أيوه.
لكن إزاي عرفت موضوع حساسيتي؟
سكت لحظة.
ثم قال
من ملفك الطبي القديم الموجود ضمن مستندات الفحص الوظيفي.
وأنا كنت عارف إن ملك هي اللي بتجهز المشروب.
شهقت
إيه؟!
قال
الطلب اتعمل من حساب مرتبط باسمها.
ولما راجعنا الطلب، لقينا إن إضافة مسحوق الشوكولاتة كانت مقصودة.
ثم وضع أمامي صورة مطبوعة.
كانت صورة من سجل الطلب.
اسم الحساب.
رقم الهاتف.
ووقت الطلب.
كل شيء واضح.
لكن كانت فيه مفاجأة أكبر.
قال كريم
اللي ما تعرفيهوش إن ملك ما كانتش بتتصرف لوحدها.
ثم وضع صورة أخرى على الطاولة.
الصورة كانت لملك وأحمد أمام مكتب صغير.
وأمامهما ملفات.
وفي إحدى الأوراق ظهر اسمي.
تحت اسمي كانت كلمة
مستبعدة.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
قلت
إنتوا كنتوا ناويين تمنعوني من المقابلة بأي طريقة.
رد كريم
أيوه.
ثم قال
لكن لسه فيه حاجة أخطر.
إيه؟
نظر إليّ مباشرة.
الورقة اللي ملك سلمتها لأحمد قبل ما تدخلي اللجنة.
دي مش مجرد ورقة تثبت إنك غبتي.
دي كانت نسخة من محضر رسمي مزور، مكتوب فيه إن الشرطة وصلت بيتهم بالليل، وإنك كنتِ في حالة انهيار ورفضتِ التعاون.
كانوا ناويين يستخدموه لإثبات إنك غير مستقرة نفسيًا.
ما قدرتش أتكلم.
طول الليل كنت فاكرة إن هدفهم بس يمنعوني من المقابلة.
لكن الحقيقة كانت أسوأ.
كانوا بيجهزوا قصة كاملة لتدمير سمعتي.
بعد انتهاء المقابلة، خرجت من اللجنة.
كنت لسه مستوعبة الكلام بصعوبة.
وجدت أحمد واقف في الممر.
أول ما شافني، قرب.
هند
قلت
ما تقربش.
توقف.
قلت
الشرطة عرفت كل حاجة.
وجهه شحب.
قال بسرعة
إنتِ فاهمة غلط.
ضحكت.
لسه هتقول ملك كانت مضغوطة؟
سكت.
ولا هتقول إنك كنت بتحاول تساعدها؟
لم يرد.
وفي اللحظة نفسها، خرج كريم من غرفة اللجنة.
ومعه اثنان من رجال الأمن.
قال كريم
أستاذ أحمد، من فضلك تعال معانا.
أحمد تراجع خطوة.
ليه؟
قال كريم
لأن عندنا إذن رسمي بمراجعة الأجهزة والحسابات المرتبطة بالبلاغ.
ثم أضاف
والشرطة هتتعامل مع الموضوع من هنا.
أحمد بص لي.
نظرة مليانة غضب.
لكنني لم أهرب هذه المرة.
كنت واقفة ثابتة.
بعد دقائق، أخذوه.
في المساء، وصلتني رسالة من ملك.
هند، أنا آسفة.
ثم
أنا ما كنتش عايزة الأمور توصل لكده.
لم أرد.
وصلت رسالة ثانية
أحمد هو اللي طلب مني أعمل كده.
ثم ثالثة
قال لي لو إنتِ خرجتي من المنافسة، هو هياخد الوظيفة.
ثم
وقال لي إنك مش هتأذي نفسك لوحدك، وإن أقصى حاجة هتحصل إنك ترجعي البيت.
وأخيرًا
أنا كنت غبية.
قفلت المحادثة.
لم أكن أشعر بالانتصار.
كنت فقط أشعر بالإنهاك.
في اليوم التالي، استدعوني مرة أخرى.
دخلت مكتب كريم.
وجدته وحده.
قال
المقابلة خلصت.
جلست.
سألته
والنتيجة؟
ابتسم.
إنتِ نجحتي.
لم أتكلم.
ثم أضاف
وأخذتِ أعلى تقييم.
ابتسمت لأول مرة منذ يومين.
لكن قبل ما أخرج، وقفت عند الباب.
والتفت إليه.
قلت
في حاجة واحدة لسه مش فاهمها.
إيه؟
إنت ليه خاطرت بشغلك وساعدتني بالشكل ده؟
سكت.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج صورة قديمة.
وضعها أمامي.
كانت صورة لفتاة شابة.
نظرت للصورة.
ثم إليه.
قال
دي أختي.
السنة اللي فاتت كانت هي المتقدمة اللي حكيت لك عنها.
توقفت أنفاسي.
قال
هي خسرت الوظيفة بسبب نفس الحيلة.
وبعدها دخلت في أزمة نفسية شديدة.
وأنا من وقتها وأنا بدور على اللي عمل فيها كده.
كنت محتاج دليل.
ولما ظهرت قصتك، قررت أراقب الموضوع.
لكن ما كنتش عايز أظهر.
سألته
ليه؟
قال
لأن لو عرفوا إني أنا اللي بحذرك، كانوا هيغيروا خطتهم.
كان لازم أسيبهم يكملوا.
وأنتِ بنفسك تجمعي الأدلة.
نظرت إلى الهاتف.
ثم قلت
يعني كل الرسائل كانت منك.
ابتسم.
كلها.
حتى رسالة ماتشربيش؟
أيوه.
ورسالة إن أحمد هيحاول يقنعني أرجع؟
أيوه.
ورسالة إن الخطر الحقيقي لسه ما بدأش؟
ضحك بهدوء.
دي كانت أهم واحدة.
سألته
ليه؟
قال
لأنهم ما كانوش ناويين يوقفوا عند المشروب.
كانوا مجهزين حاجة تانية في مكان المقابلة.
لكن لما بلغتي المجلس بنفسك، خطتهم انهارت.
وقفت صامتة.
ثم قلت
شكرًا.
هز رأسه.
ما تشكرينيش.
أنا بس عملت اللي كان لازم يتعمل من السنة اللي فاتت.
خرجت من المكتب.
وفي الممر، نظرت إلى موبايلي.
فتحت آخر محادثة مع الرقم المجهول.
آخر رسالة كانت
دلوقتي تقدري تمسحي الرقم.
ثم بعد ثوانٍ وصلت رسالة أخيرة
إنتِ ما كنتيش محتاجة حد ينقذكِ كنتِ بس محتاجة حد يقولك الحقيقة في الوقت المناسب.
بصيت للشاشة طويلًا.
ثم مسحت الرقم.
لكن قبل ما أقفل الهاتف، ظهرت رسالة جديدة من رقم آخر.
مبروك يا هند أعلى تقييم.
ابتسمت.
لأول مرة، لم أشعر بالخوف من الرقم المجهول.
لأنني عرفت أخيرًا
مين كان واقف في ضهري.

 

تم نسخ الرابط