حماتي كانت بتخبي اللحمه
ساد الصمتُ المطبخَ كأنه مقبرة، وتوقفت قطرات الوقت في الهواء. المعالق والأطباق الرخامية انعكس عليها ضوء اللمبة النيون العارية، والتوتر بقى ملموساً بيننا كأننا بنتنفس شوك.
جوزي "طارق" كان واقف في نص المطبخ، إيده متجمدة وهي ممدودة ناحية الحلة الصغيرة اللي في آخر رف في الفريزر. الحلة كانت ألومنيوم قديمة، متغطية بغطا إستانلس ملفوف بعناية بكيس بلاستيك شفاف، وفوق الكيس كان فيه قطعة ورقة لاصقة بيضاء مكتوب عليها بخط حماتي الواضح: "حلة ندى - طعام الأسبوع".
حماتي "جميلة" وشه اتقلب أسود تماماً، أطرافها بدأت تترعش، وصدرها بيعلو ويهبط بحركات متسارعة زي اللي اتمسك في تلبس بجريمة مالهاش أي مخرج أو تبرير!
طارق قرب وسحب الحلة الصغيرة ببطء. مسكها بين إيديه، وتأمل الورقة المكتوب عليها اسمي "ندى"، وبعدين بص لأمه بنظرة شحوب وذهول، وقال بصوت مبحوح ومليان شك يقطع القلب:
— "ماما... اسم ندى مكتوب على الحلة دي ليه؟! مش أنتِ كل جمعة بتقلولنا إن اللحمة والأكل خلصوا وإن ندى ما لحقتش حاجة؟! إيه اللي خلي اسم مراتي مكتوب على حلة متخبية في عمق الفريزر بالشكل ده?!"
حماتي حاولت تفتح بؤها، تتلجلج وتدور على كذبة من كذباتها السريعة:
— "أصل... أصل الحلة دي... دي... دي أكل بايت من الأسبوع اللي فات يا طارق! كنت محتفظة بيه عشان لما ترموه!"
أنا ما اترددتش ثانية.
قربت من طارق، ومسكت حرف الغطا الإستانلس وشيلته بهدوء وثبات قدام عيونهم هم الاثنين.
اللي شفنا جواه خلى الدم يتجمد في عروقنا جميعاً!
الحلة مكنتش مليانة لحمة مطبوخة ولا خضار طازة... الحلة كان جواها أكياس لحمة نية، متقطعة ومتبلة، ومعاها أكياس خضار وثوم، وفي قاع الحلة كان فيه دفتر نوت بوك صغير جداً
سحب طارق الدفتر الصغير بذهول، وفك الأستك المطاطي، وفتح الصفحات الأولى تحت إضاءة المطبخ القوية.
بدأ يقرأ المكتوب بصوت جهوري يرن في المطبخ والصالة بره، والذهول بياكل نبرة صوته مع كل كلمة:
> "سجل مشتريات ندى وعزومات الجمعة:"
> * الجمعة 10 يناير: ندى جابت 2 كيلو لحمة كندوز بـ 800 جنيه. تم تخزين كيلو في الفريزر لـ "هبة" (ضرتها) وإبلاغ ندى إن اللحمة خلصت.
> * الجمعة 17 يناير: ندى جابت كيلو لحمة وطيور. تم الطبخ وإخفاء حلة اللحمة الصافية لـ هبة، وإعطاء ندى الشوربة والرز بحجة "الدايت".
> * الجمعة 24 يناير: ندى جابت فاكهة وحلويات ولحمة. تم تسجيل اللحمة باسم هبة للبيت، وادعاء إن الأكل خلص لمنع ندى من الأكل في عزومة العيلة.
>
الصالة والمطبخ اتدشوا بالصدمة والذهول!
ضرتي "هبة" اللي كانت قاعدة بره في الصالة ومستنية الحلة بتاعتها، دخلت المطبخ ببطء لما سمعت قراءة الدفتر، ووشها اصفر تماماً من الخزي والإحراج.
أنا بقيت واقفة مش قادرة أصدق كمية التخطيط والغل المكتوب بالورقة والقلم!
حماتي مكنتش بس بتخبي اللحمة أو بتقول "خلصت" بجهل أو عفوية... حماتي كانت بتدير عملية استنزاف مالي ونفسي محبوكة باليوم والساعة! كانت بتاخد اللحمة والطلبات اللي بشتريها من جيب حسابي وعرقي وشقايا، وتخبيها في الفريزر وتدعي إن الأكل خلص عشان تحرمني وأنا حامل وضغطي واطي، وفي نفس الوقت تحول اللحمة دي لـ "هبة" ضرتي ولبيتها، وتسجل كل حاجة في دفترها عشان تفتخر قدام عيلتها إنها بتطعم ضرتي من خيرها وتذلني أنا!
مواجهة الحقيقة وسقوط الأقنعة:
طارق مسك الدفتر وضغط عليه بيده بدموع
— "ليه يا أمي؟! ليه تعملي كده في بيتي وفي مراتي؟! سنتين كاملين! سنتين ومراتي بتنزل من بيت أهلها تشيل أكياس اللحمة والفاكهة بفلوسها وشقاها وتيجي لحد عندك عشان تفرحنا ونفطر سوا... وترجعي تصغريها قدام العيلة وتقوليلها 'اللحمة خلصت' وتأكليها شوربة ورز وتدبي مجاعة وهمية عشان تخبي الأكل لغيرها?!"
حماتي لما لقيت إن الدفتر والخط والأرقام كشفوا كل حاجة بالدليل المادي القاطع، وقفت على حيلها وصوتها طلع بهيستيريا وجبروت:
— "أيوه عملت كده! وأنا حرة في بيتي وفي ابني! البت دي جاية من بيت عز وشايفة نفسها علينا، وكان لازم أكسر شوكتها وأعرفها إن هبة هي الأقرب لقلبي وإن أكلها وشقاها هيبقى تحت رجلي ورجل بناتي! أنت بتبدي مرتك عليا يا طارق؟!"
صرخ فيها طارق بمنتهى القسوة والصلابة لأول مرة في حياته قدام أمه:
— "أكسر شوكتها في اللقمة والأكل يا أمي؟! استنزف فلوسها وعرقها وأخبي اللحمة في الفريزر وأجوعها هي وابننا اللي في بطنها عشان أرضي أنانيتك وأحقادك؟! ده مش بر بوالدين... ده افتراء وظلم واكتنزاف ربنا ما يرضاش بيه أبداً!"
التفت طارق لضرتي "هبة" اللي كانت واقفة حاطة رأسها في الأرض مش عارفة تنطق كلمة، وقالها بنبرة قاسية وصارمة:
— "وأنتِ يا هبة... كنتِ عارفة إن الحلة اللي بتجيلي كل أسبوع دي طالعة من شقى ندى وفلوسها، وكنتِ بتاخديها وتتبسمي وتنزليها بيتك من غير ما تنطقي حرف كلمة حق!"
هبة اتلجلجت وقالت وهي بتجري ناحية الباب:
— "والله يا طارق أنا مكنتش اعرف إن طنط كاتب دفتر أو بتخبي عن ندى بالدرجة دي..."
أنا وقفت في نص المطبخ، وبصيت لحماتي بمنتهى الثبات والهدوء، والدموع اللي كانت في عيني
— "طول السنين اللي فاتت يا طنط، كنت بكتلم وأسكت وأقول معلش دي ست كبيرة ومقامها من مقام أمي... لكن لما الموضوع يوصل إنك تخططي لإهانتي في اللقمة والأكل، وتكتبيها بالورقة والقلم في دفتر عشان تصغري قمتي قدام أهل جوزي وضرتي... يبقى خط أحمر. من النهاردة أنا عزوماتي هتبقى في بيتي ومع اللي يحترمني ويقدرني، وبيتك ده مش هدخله غير ضيفة بزوق واحترام، وكل قرش اتسحب مني بالباطل هيتردلي بالكامل!"
النهاية:
من اليوم ده... تغيرت حياتي تماماً وانسحبت كل الغيوم اللي كانت مخيمة على بيتي.
طارق جوزي اتغير 180 درجة. عرف إن السكوت على ظلم أمه ومحاولاته الدائمة لتبرير أفعالها بـ "كبري دماغك وسكتي" كان مشاركة غير مباشرة في إهانتي واستنزافي. اعتذرلي بحرقة قدام أهلي وقرايبنا، وحسب كل المبالغ المالية اللي اتصرفت من جبيبي طوال السنتين الماضيتين وردها لي كاملة في حسابي البنكي.
حط طارق حدوداً صارمة ومقفولة تماماً بين حياتنا الشخصية وبين أمه.
حماتي قعدت فترة طويلة محبوسة في بيتها، مش قادرة ترفع عينها في عين حد من القرايب أو الجيران اللي شهدوا فضيحة "دفتر الفريزر واللحمة المتخبية". ما بقتش تقدر تتكلم عني ولا تتدخل في عزوماتي ولا تنطق كلمة واحدة تقليل من شأني.
أنا رجعت أعيش حياتي بكامل الكرامة والاستقرار، وأكلي وبيتي بقوا في قمة الدفء، ورأسي مرفوعة فوق للسماء... اتعلمت الدرس الأهم في حياتي: إن النية الصافية والست الصابرة الواثقة في نفسها ربنا بيبين حقها وبيكشف كل خبيث ومفتري ولو بعد حين، وأن الحق دايماً أبلج والباطل لابد أن يزهق.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا