بعد وفاة أمي نور محمد

لمحة نيوز


واطلع بره البيت ده، البيت ده بتاع ندى اللي شقيت فيه، مش بتاع البيه الدكتور اللي بيستعر منها.
عمر اتصدم من ردي، كان متخيل إني هعيط وأطبطب عليه زي كل مرة بيغلط فيها، بس المرادي الكسر كان في الروح، والروح لما بتتكسر مابتتصلحش. شاف الجمود في عينيا، عرف إن الكلام خلص. دخل أوضته، لم هدومه في شنطة، وخرج من غير ولا كلمة، رمى المفتاح على الترابيزة، وقفل الباب وراه.
مرت الأيام والشهور..
حياتي بعد اليوم ده اتغيرت تماماً. فجأة حسيت إن الحمل اللي كان قاسم ضهري انزاح. بدأت أركز مع نفسي لأول مرة من ١٨ سنة. الفلوس اللي كنت بحطها في جيب عمر، بقيت أطور بيها شغلي. كبرت مشغل الخياطة الصغير بتاعي، واشتريت مكن جديد، وشغلت معايا بنات من الحتة محتاجين الشغل.
ربنا فتحها عليا من وسع، رزق ما كنتش أتخيله. سمعتي في الشغل كبرت، وبقيت بصمم فساتين ولبس بيتباع في محلات كبيرة. ضهري اللي كان متقوس اتفرد، وشي اللي كان مطفي رجعله شبابه، حسيت إني بدأت أعيش سني الحقيقي.
أما المفاجأة الأكبر، فكانت بعد حوالي سنة من الواقعة دي. لقيت

تليفون بيجيلي من الدكتور رفعت! استغربت جداً، بس رديت باحترام. طلب يقابلني، ولما قابلته لقيته جايب معاه راجل محترم جداً، في أواخر الأربعينات، اسمه المهندس محمود، أخو الدكتور رفعت الصغير.
محمود كان راجل أرمل، عصامي، بنى نفسه بنفسه، والدكتور رفعت حكاله قصتي من يوم الزيارة المشئومة، ومهندس محمود أُعجب جداً بشخصيتي وكفاحي وطلب إيدي. في الأول كنت رافضة فكرة الجواز تماماً، بس محمود أثبتلي بمواقفه إنه راجل بجد، راجل يقدر التعب ويحترم الست الأصيلة. وافقت، واتجوزنا، وعشت معاه أجمل أيام عمري، عوضني عن كل يوم شقى وتعب، وكان بيعاملني كأني ملكة.
أما عمر..
فالدنيا ما سابتهوش في حاله. بعد ما ساب البيت، حاول يتمنظر ويعيش في مستوى أعلى منه، بس من غير بركة دعائي ورضايا، حياته بدأت تتلخبط. سمعته كعريس اترفض من بيت الدكتور رفعت بسبب قلة أصله انتشرت في الوسط الطبي بتاعهم، والناس الراقية اللي كان بيجري وراهم بدأوا يبعدوا عنه لما عرفوا حقيقته.
دخل في كذا مشروع عيادة وخسر فيهم، والديون كترت عليه. أصحابه اللي كان بيصرف
عليهم وبيخرج معاهم سابوه أول ما فلوسه قلت. عاش شهور في تخبط وضياع، ووقع وقعة كبيرة في شغله خلته يتوقف عن العمل فترة بسبب إهماله وتركيزه في المظاهر السهر، لحد ما وصل للقاع.
وفي يوم، وأنا في المشغل بتاعي اللي بقى مصنع صغير، لقيت الباب بيخبط.. دخل عمر.
بس ما كانش عمر الدكتور المتعجرف المفرود.. كان واحد تاني، وشه دبلان، مكسور، هدومه متبهدلة، وعينيه مليانة ندم وكسرة. أول ما شافني، انهار من البكا، نزل على ركبه قدام كل البنات اللي شغالين معايا، ومسك إيدي اللي كان بيستعر منها.. باسها مرة واتنين وعشرة وهو بيشهق من البكا وبيقول
سامحيني يا ندى.. أبوس إيدك سامحيني. أنا غبي، أنا قليل الأصل، أنا ربنا عاقبني أشد عقاب لأنني اتكسفت من الإيد اللي اتمدتلي وقت ما كل الناس باعتني. الدنيا كلها اديتني ضهرها، وما لقيتش حد حنين عليا ولا خايف عليا غيرك.. أنا خسرت كل حاجة يا ندى، بس مش عايز أخسرك إنتِ.. سامحيني وخليني أرجع أعيش تحت رجليكي.
بصيتله، قلبي وجعني عليه، في النهاية ده حتة مني، ده ابني اللي ربيته. نزلت لمستواه،
رفعت وشه بإيديا اللي باسها، ودموعي نزلت لأول مرة من يوم الزيارة إياها. قولتله بصوت حنين بس حازم
أنا مسامحاك يا عمر.. الأخت عمرها ما بتشيل من أخوها مهما عمل. بس عشان نرجع زي الأول، لازم تتعلم تبني نفسك من تاني، بس المرة دي على نضافة، على أصل، من غير كدب ولا منظرة.
عمر رجع لحضني، بس المرة دي رجع راجل فاهم قيمة النعمة. ساعدته يقف على رجله من تاني، سددت معاه ديونه، وبدأ يشتغل في مستشفى حكومي بسيط، يعالج الناس الغلابة، واتعلم التواضع.
النهاية مكنتش بس سعيدة، كانت عادلة. ربنا عوضني عن كل لحظة شقى بعز وسند وزوج صالح بيحبني، ورجعلي أخويا بعد ما اتعلم إن المظاهر الكدابة بتتهد في ثواني، وإن اللي بينكر أصله، بيموت مكسور الجناح، وإن الإيد الخشنة اللي شقيت في الحلال، هي أطهر وأجمل إيد ممكن الإنسان يبوسها في حياته.
تمت...
الكاتبه_نور_محمد
القصة خلصت، بس دروسها بتعيش.. إيه أكتر موقف أثر فيكم في القصة؟ وهل ندى اتصرفت صح لما كشفت حقيقته قدام نسايبه؟
مستنية رأيكم في التعليقات.. وادعموا القصة بصلاة على حبيب الله
النبي العدنان

 

تم نسخ الرابط