بعد وفاة أمي نور محمد

لمحة نيوز


سنين من أغلى أنواع القماش وراكناه في الدولاب لليوم اللي هشوفه فيه عريس.. لبسته، ورفعت شعري بفورمة بسيطة وشيك، وحطيت لمسات مكياج هادية خلت وشي اللي طفاه الشقى ينور من تاني ويرجعله وقاره.
ما كنتش ماسكة صينية عصير، ولا كنت طالعة أخدم حد.. أنا طلعت أمشي بخطوات ثابتة، راسي مرفوعة للسما، وكأني ملكة متوجة في بيتي. وقفت في نص الصالة، وعينيا جات في عين عمر اللي كان بيبصلي برعب وكأنه شاف شبح، شفايفه كانت بتترعش ومش قادر ينطق حرف.
نيرمين خطيبته بصتلي باستغراب، ووالدها الأستاذ الدكتور رفعت عدل نضارته وبصلي باهتمام، ووالدتها ابتسمت مجاملة وهي بتهمس لنيرمين بتسألها مين دي.
عمر حاول يتدارك الموقف بسرعة، قام وقف وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته طالع مهزوز ومكسور
أاا.. أهلاً.. دي.. دي الدادة ن..
قاطعته بصوت هادي، قوي، وواثق، هز أركان الصالة كلها
دادة إيه يا دكتور عمر؟ شكلك نسيت تعرف ضيوفنا بيا من كتر فرحتك.
قربت من الكنبة اللي قاعد عليها الدكتور رفعت، وابتسمت ابتسامة كلها ثبات وقولت
أهلاً وسهلاً بحضراتكم نورتوا بيتنا المتواضع.. أنا ندى.. أخت عمر الكبيرة، وأمه اللي ربته وكبرته لحد ما بقى الدكتور اللي قاعد قدامكم ده.
الكلمة نزلت كأنها قنبلة في نص

الأوضة. عمر نزل في الأرض وكأن الأرض انشقت وبلعته، وشه جاب ألوان الطيف كلها، ونيرمين شهقت بصوت واطي وبصت لعمر بصدمة. أما الدكتور رفعت، فملامحه اتغيرت تماماً، ساب فنجان القهوة من إيده وبص لعمر بحدة، وبعدين بصلي باحترام شديد وقال
أهلاً بيكي يا بنتي.. بس غريبة، عمر قالنا إن أخته الكبيرة مسافرة بره مصر مع جوزها ومش هتقدر تحضر، وإن اللي عايشة معاه هنا هي الدادة اللي ربته!
ضحكت بسخرية خفيفة، قعدت على كرسي في وشهم، وحطيت إيد على إيد، وبصيت لعمر نظرة خلته يتمنى الموت في اللحظة دي، وقولت
مسافرة بره مصر؟ لا يا فندم، أنا عمري ما طلعت بره باب المطبخ والمشغل اللي أفنيت فيهم شبابي عشان أعمل من أخويا دكتور يشرف. عمر اتكسف يقولكم إن أخته الكبيرة ما كملتش تعليمها، اتكسف يقول إن إيديا خشنة من غسيل المواعين في البيوت، ومن إبر الخياطة اللي أكلت صوابعي عشان أقدر أدفع مصاريف كليته والبدل الشيك اللي بيقابلكم بيها دي.
والدة نيرمين حطت إيدها على بقها من الصدمة، ونيرمين دموعها نزلت وهي بتبص لعمر باشمئزاز.
كملت كلامي وصوتي بدأ يعلى شوية بس بوقار
عمر طلب مني إمبارح ألبس لبس خدامة، وأطلع أقدم لكم العصير وما أنطقش ولا كلمة عشان برستيجه قدامكم ما يتهزش. كان
خايف إن مستوايا البلديعلى حد قولهيخليكم ترفضوه. بس أنا قررت إني مش هكسر نفسي بعد ١٨ سنة شقى، وقررت أعرفه إن الأصل ما بيتداراش، وإن اللي يتكسف من جذوره، عمره ما هيطرح شجرة ضلها يحمي حد.
الصمت كان رهيب.. صوت أنفاس عمر المكتومة هي اللي كانت مسموعة بس.
الدكتور رفعت قام وقف، ملامح وشه كانت صارمة جداً، بص لعمر من فوق لتحت باحتقار وقال بصوت جهوري
أنا راجل أستاذ جامعة، ومركزي المادي والاجتماعي اللي إنت شايفه ده ما جاش بالساهل. أنا كنت ابن فلاح بسيط، وأمي الله يرحمها كانت بتبيع جبنة على الرصيف عشان تعلمني. عمري ما استعريت منها، بل بالعكس، كنت ببوس إيدها اللي شققت من الطين قدام أكبر دكاترة في البلد، لأن لولا الإيد دي، أنا ما كنتش هبقى حاجة.
قرب الدكتور رفعت من عمر اللي كان باصص في الأرض مش قادر يرفع عينه، وكمل
لو كنت قولتلي إن أختك شقيت عليك وربتك بالمنظر ده، أنا كنت شيلتها فوق راسي، وكنت هأمنك على بنتي وأنا مغمض، لأني هعرف إنك راجل طالع من بيت أصول، بيت فيه تضحية ووفاء. لكن واحد يستعر من لحمه ودمه، يستعر من اللي ضحت بشبابها عشانه عشان حتة منظرة كدابة؟! اللي يعمل كده في أخته وأمه، هيعمل إيه في بنتي لما تكبر وتعيا وشكلها يتغير؟
التفت الدكتور
رفعت لبنته ومراته وقال بحسم
يلا بينا يا أم نيرمين، يلا يا بنتي.. إحنا ما يشرفناش نناسب واحد قليل الأصل.
نيرمين قلعت الدبلة من إيدها، رمتها على الترابيزة قدام عمر من غير ولا كلمة، وخرجت ورا أبوها وأمها. وقبل ما الدكتور رفعت يقفل الباب، بصلي نظرة كلها تقدير وقال
أنتِ ست بمليون راجل يا ندى، واللي زيك يتباس على راسه، مش يتخبى في المطبخ. العيب مش فيكي، العيب في التربة اللي شربت ميتك وما طمرش فيها.
الباب اتقفل.. والصمت رجع يخيم على الشقة، بس المرادي كان صمت تقيل.. صمت النهاية.
عمر كان قاعد مكانه زي الصنم، مصدوم، حلمه اللي كان بيبنيه على الكدب والمظاهر اتهد فوق دماغه في ثواني. فجأة، قام وقف وبدأ يزعق بهيستريا ودموعه بتنزل
ليه عملتي كده؟! ليه دمرتيلي حياتي؟! ارتحتي لما فضحتيني وبوظتي الجوازة؟ أنا بكرهك! بكرهك!
وقفت قدامه، ما عيطتش، ولا رمشت حتى، بصتله ببرود الدنيا وقولتله
أنا ما دمرتش حياتك يا عمر، كدبك وعقدة النقص اللي جواك هما اللي دمروك. أنت اللي اخترت تبني صورتك على وهم، وأنا بس شيلت الستارة. أما بالنسبة لكرهك ليا.. فده مبقاش يفرق معايا. أنا خلصت رسالتي معاك، ودفعت دين أبويا وأمي.. ومن اللحظة دي، أنا ماليش أخ اسمه عمر، وأنت مالكش
أخت.. اتفضل لم هدومك
 

تم نسخ الرابط