ليلة مناقشة رسالة الماجستير

لمحة نيوز

 الجزء الأول
في الليلة اللي قبل مناقشة الدكتوراه بتاعتي، جوزي مسكني من إيدي، وأمه كتفتني من ورا، وقصّوا شعري وهم بيضحكوا وهو بيهمس في ودني مكان الست الحقيقي بيتها مش الجامعة. لكن تاني يوم دخلت قاعة المناقشة رغم كل اللي عملوه وماكانوش يعرفوا إن أبويا هيكشف سر قدام الناس كلها هيقلب حياتهم جحيم، ويهدم كل اللي بنوه على الكدب والخيانة.
من أول ما حماتي نوال دخلت بيتنا، وأنا حسيت إن البيت مبقاش بيتي.
جت من إسكندرية من غير حتى ما تستأذن، شايلة شنطها، وقاعدة تتصرف كأنها صاحبة المكان.
يومين كاملين وهي بتنتقد كل حاجة.
الأكل.
لبسي.
طريقة كلامي.
حتى الكتب اللي على مكتبي كانت بتبصلها باستهزاء.
كل شوية تقول بنفس البرود
الست المحترمة تقعد في بيتها مش تفضل ورا شهادات ودكتوراه.
وأنا كنت بابتسم وأعدّي الكلام.
فضلت أركز على حلم استنيته تمن سنين.
تمن سنين وأنا بصحى قبل الفجر، وأسهر لحد الصبح، وأشتغل وأذاكر وأكتب رسالة الدكتوراه حرف حرف.
ماكانش فاضل غير يوم واحد... يوم المناقشة.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدّت.
لكن اللي حصل الليلة دي غير حياتي كلها.
صحيت حوالي اتنين بالليل عطشانة.
خرجت أشرب كوباية مية.
وأنا داخلة المطبخ، سمعت همس.
كان كريم جوزي وأمه.
أول ما شافوني، سكتوا فجأة.
بصيتلهم باستغراب فيه إيه؟
حماتي ابتسمت ابتسامة باردة وقالت بكرة مش هتروحي الجامعة.
افتكرتها

بتهزر.
قلت وأنا رافعة راسي بكرة أهم يوم في حياتي بعد تمن سنين تعب، هناقش رسالة الدكتوراه. ومفيش حد هيمنعني.
كريم ضحك ضحكة مستفزة لأول مرة أسمعها منه.
وقال إنتِ اتغيرتي يا ريم.
سكت شوية وكمل بقيتي مش شايفة غير كتبك ورسالتك وكل همك تثبتي إنك أحسن من الناس. الشغل والدراسة بقوا أهم عندك من جوزك وبيتك.
فضلت أبصله... مش مستوعبة.
هو ده نفس كريم اللي كان زمان يحتفل معايا لما آخد منحة؟
هو ده اللي كان يقول لكل الناس مراتي هتبقى دكتورة؟
هو نفسه؟ ولا كنت طول السنين دي عايشة مع شخص معرفوش؟
بلعت ريقي وقلت بهدوء مش هفتح نقاش في الموضوع ده.
ولفيت أمشي.
ماخدتش خطوتين... فجأة حسيت بإيده ماسكة دراعي بعنف.
اتوجعت. بصيتله وقلت سيب إيدي.
ماسابهاش، بالعكس شد أكتر.
وفي لحظة... لقيت حماتي جاية من ورايا، ومسكانية من كتافي بكل قوتها.
اتخضيت إنتوا بتعملوا إيه؟
نوال همست وهي بتشدني يمكن كده أخيرًا تتعلمي مقامك.
قلبي وقع.
وبصيت لكريم... لقيته بيمد إيده على درج المطبخ.
طلع مقص.
عيني وسعت من الرعب. قلت بصوت مهزوز إنت هتعمل إيه؟
بصلي وابتسم... ابتسامة عمري ما شفتها على وشه.
وقال بمنتهى البرود هعلمك مكانك.
وفي ثانية... حسيت بالمقص داخل في شعري.
خصلة كبيرة وقعت على الأرض.
صرخت كريم لااااا!
لكنه كمل... كل خصلة كانت بتنزل، كانت بتحسسني إن جزء مني بيتكسر.
وأنا بعيط وبحاول أفلت،
وحماتي ماسكاني من ورا بكل قوتها ولا كأنها شايفة بني آدم بيتعذب.
بالعكس... كانت مبتسمة وقالت بكل شماتة بكرة لجنة المناقشة أول ما تشوف شكلك محدش هيحترمك.
وسكتت لحظة وبعدين قالت يمكن ترجعي بيتك وتبطلي تعملي نفسك راجل.
فضل كريم يقص شعري بعشوائية لحد ما بقى شكله مشوه.
ولما خلص، رمى المقص على الرخامة... وسابني.
وقعت على الأرض... مش قادرة أتحرك ولا أصدق.
الراجل اللي وعدني يحميني هو نفسه اللي دمرني بإيده.
دخلت الحمام وقفلت الباب بالمفتاح.
وقفت قدام المراية. بصيت لوشي.
عيني كانت حمرا من العياط وشعري بقى متقطع بطريقة مهينة.
قعدت أبكي... يمكن نص ساعة، يمكن أكتر، مش فاكرة.
لكن فجأة... العياط وقف.
حاسّة إن جوايا حاجة اتغيرت.
الألم اللي كان بيكسرني بدأ يقويني.
مسحت دموعي. فتحت الشنطة.
حطيت فيها نسخة الرسالة، واللاب توب، وكل أوراق المناقشة، وبدلة كحلي كنت محضراها من أسبوع.
وقبل الفجر بساعة... لبست.
ظبطت شعري على قد ما أقدر، ورفعت راسي.
وخرجت من البيت من غير ما أقول لكريم أو أمه كلمة واحدة.
ماكنتش أعرف إن اليوم ده مش هيشهد بس مناقشة الدكتوراه.
اليوم ده هيكشف حقيقتهم قدام الناس كلها... وهيكون بداية سقوطهم للأبد.
الجزء الثاني
وصلت الجامعة بدري جدًا.
الجو كان هادي، والكل لسه بيجهز قاعات المناقشة.
وأنا ماشية في الممر، كنت حاسة إن كل واحد بيبص على شعري.
كنت حاسة
بالإحراج، لكن كل ما أفتكر اللي حصل امبارح، أقول لنفسي هما قصوا شعري لكن معرفوش يقصوا حلمي.
دخلت أوضة صغيرة جنب القاعة أراجع آخر مرة.
فتحت اللاب توب. بصيت على أول شريحة في العرض.
ابتسمت... تمن سنين شغل مستحيل يضيعوا بسبب شوية ناس قرروا يحطموني.
بعد شوية، السكرتيرة خبطت على الباب دكتورة ريم اللجنة مستنياكي.
لأول مرة حد يناديني بلقب دكتورة... الكلمة لمست قلبي.
ابتسمت وقولت أنا جاهزة.
أول ما دخلت قاعة المناقشة لقيتها مليانة.
الدكاترة قاعدين في الصف الأول، وزمايلي، وأصحابي، وكام دكتور من جامعات تانية.
وفي أول صف كان أبويا... المستشار محمود عبدالعظيم.
بمجرد ما عينه جت في عيني، ابتسم ابتسامة صغيرة... كأنها بتقولي أنا واثق فيكي.
الابتسامة دي ادتني قوة.
وقفت قدام المنصة، وصلت اللاب بالبروجكتور.
وفي لحظة الشاشة السودة انعكست عليها صورتي... شفت شعري، واضح جدًا.
وسمعت همسات خفيفة؛ واحدة بتقول إيه اللي حصل لشعرها؟ وواحد تاني شكلها داخلة في أزمة.
غمضت عيني ثانية، وأخدت نفس طويل... وبدأت.
أربعين دقيقة كاملة ولا كلمة طلعت مني غلط.
شرحت كل نقطة في الرسالة، كل رسم بياني، كل تجربة، كل نتيجة.
ولما اللجنة سألت جاوبت؛ سؤال ورا سؤال بهدوء وثقة، وكأن اللي حصل امبارح عمره ما حصل.
بعد آخر سؤال، سكتت القاعة ثواني.
وفجأة، كل الموجودين بدأوا يسقفوا... تصفيق طويل.
رئيسة
اللجنة ابتسمت وقالت مبروك دكتورة ريم محمود عبدالعظيم.
أول ما سمعت الكلمة دموعي نزلت... حلمي
 

تم نسخ الرابط