رجع من السفر قبل معاده بيوم

لمحة نيوز


على البيت لحد ما لقى العمارة القديمة.
صعد السلالم بلهفة وتعب، ووقف قدام باب شقتها الصغيرة.
تردد لثواني... وبعدين خبط على الباب بهدوء.
بعد دقائق، انفتح الباب ببطء. كانت سارة واقفة، لابسة عباية بيضاء بسيطة، شعرها الملموم بعناية، وعيونها كانت حمراء من كتر البكاء. أول ما شافته واقف قدامها بهدوم الشغل المبهدلة ووشه الشاحب والدموع في عينيه، اتجمدت مكانها.
قالت بصوت خافت ومستغرب
استاذ كريم؟! إيه اللي جابك هنا في الوقت ده؟! فيه حاجة حصلت للبنات?!
كريم نزل راسه للأرض، ولأول مرة في حياته وهو صاحب الشركات والنفوذ يقف موقف المتوسل المكسور
البنات سكتوا تاني يا سارة... البنات رجعوا للضلمة والصمت اللي عاشوا فيه سنة ونص بسبب غبائي وعصبيتي.
طلع الجواب المتني بالألوان الشمعية من جيبه ومد إيده بيه ليها
ده الجواب اللي سابوهولي تحت باب الأوضة بالليل... قريته وعرفت إن أكبر جريمة عملتها في حق بناتي وفي حق نفسي كانت لما طردتك من البيت.
سارة مسكت

الجواب، وقرت السطور الثلاثة ببطء. دموعها نزلت بهدوء على خدها، وحطت إيدها على بؤها من الصدمة والوجع على البنات.
كريم كمل بصوت مرتعش
أنا مكنتش خايف إنك تاخدي مكان دينا الله يرحمها... أنا كنت خايف من نفسي. كنت حاسس بالذنب لأنهم ضحكوا معاكي وأنا اللي المفروض أضحكهم وفشلت. أنا بعتذر لك قدام ربنا ورسوله... ارجعي يا سارة. ارجعي ومش هطلب منك تكوني مربية... ارجعي كإنسانة أنقذت أرواح بناتي، وأنا أوعدك إن بيتي كله هيبقى تحت أمرك واحترامك.
سارة بصت له بقلبها النقي، وشافت صدق الندم والانكسار في عيون الأب اللي بيحارب عشان أطفاله
أنا معملتش حاجة عشانك يا أستاذ كريم... أنا عملت عشان البنات التلاتة اللي بيستاهلوا يعيشوا ويرسموا ويغنيوا. أنا هاجي معاك دلوقتي.
الفجر والتغيير الشامل
رجعت سارة مع كريم في العربية. طول الطريق، كريم كان بيكلمه عن دينا، عن الحادثة، وعن الثقل اللي كان شايله في قلبه طول السنين دي. وسارة كانت بتسمعه بإنصات ودفء، وتبدد
الخوف اللي كان جواه بكلمات بسيطة مليانة حكمة وتفهم.
وصلوا البيت مع أذان الفجر.
دخلت سارة الشقة ببطء، وكريم مشي وراها. صعدوا لأوضة البنات.
فتحت سارة الباب ببطء، وقعدت على الأرض جنب السرير. مسكت الفراشة الورقية الملونة اللي كانت أصغر بنت رسمتها، وحطتها على حرف السرير.
وبدأت تغني بصوت دافي وواطي نفس الأغنية البسيطة اللي كانت بتغنيها وهي بتعمل معاه الكيكة في المطبخ.
في ثواني... العيون المفتوحة في الضلمة بدأت تتحرك.
أصغر بنت قعدت على السرير، وبصت لسارة. عينين البنت وسعت، ودموعها نزلت، وقامت اتترمت في حضن سارة فوراً!
أختيها الاتنين قاموا وراها، وحضنوا سارة وكريم اللي جثا على ركبتيه وحضنهم كلهم لأول مرة من سنين!
صوت العياط والضحك الممزوج بالراحة ملأ الأوضة، والكلمات رجعت تتدفق من أفواه البنات التلاتة زي النهر الصافي
بابا... أنت رجّعتها؟
سارة... إحنا كنا فاكرينك مشيتِ وخلاص!
كريم دموعه كانت بتسيل وهو بيقبل رؤوس بناته واحدة ورا الثانية
سارة
مش هتسيبنا تاني أبداً يا حبايب بابا... وبابا مش هيسيبكم ولا هيسافر يسيب البيت ده تاني.
النهاية
من اليوم ده... اتغيرت حياة كريم المنشاوي وبيته 180 درجة.
سيب جزء كبير من إدارة شركته لمديرين تثق فيهم، وبقى يقضي أكتر وقته في البيت مع بناته. بقى يحضر معاهم أوقات المذاكرة، ويلعب معاهم، ويتعلم منهم إزاي يبتسم من قلبه تاني.
سارة فضلت مع العيلة... مش كمربية، ولكن كشريكة أمان وحب وسند للبيت كله. مع الوقت، التقدير والاحترام اللي كان بين كريم وسارة تحول لمودة وثيقة، واتجوزوا بعقد مبارك وحفل بسيط حضرته البنات وهم لابسات فساتين بيضاء ويغنون بفرح.
رجعت الضحكة للبيت، وزالت غيمة الصمت والذنب للابد... وعرف كريم إن البيت مش بالمقاولات والفلوس والنجاح الخارجي، لكن البيت بالدفء والمسامحة، وأن الحب اللي بينزرع بصدق ونية صافية قادر يحيي القلوب الميتة ويجبر الكسر مهما كان عميقاً.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا
بينصر صاحبها في النهاية

 

تم نسخ الرابط