بيانو مكسور

لمحة نيوز

طبية، ونتائج تحاليل أثبتت إن في مادة سامة بتراكمت في جسمه ببطء مادة بتدمر الذاكرة وتسبب أعراض شبه الزهايمر تمامًا، وبتكون قاټلة لو استمرت فترة طويلة. كتب أبوه في آخر صفحة لم أمت بمرض. قتلوني ببطء. شريف طمع في السلطة، داليا خاڤت ياخدها غيرها، واتفقوا على التخلص مني قبل ما أعدل الوصية وأكشف أمرهم. كل ما ورثوه سم، والديون اللي أخفيها عنهم في البداية عشان آدم ياخد حقه وهم مش حاسين. الثروة الحقيقية مش فلوس، هي الحقيقة. والحق معك يا آدم، فلا تتركهم يضيعوه. واعلم أني لم أترك لك البيانو عبثًا فيه ورقة مكتوبة بخطهم تعترفوا فيها بكل شيء، أخفيتها في الدرج السري قبل ما يشتد عليهم المړض ويقدروا ياخدوه مني. كانوا واثقين إنك مش هتفتح الدرج، لأنهم شايفك صغير ومش فاهم في حاجة. لكني كنت واثق إنك الوحيد اللي هيرد لي حقي.
خرج آدم من البنك وعقله مش معاه. الحقيقة كانت أثقل من أي حمل ممكن يشيله. إخواته اللي كان بيحبهم وبيحترمهم هم السبب في عڈاب أبوه سنين. هم اللي قتلوه ببطء، وهم اللي ضحكوا عليه لما لقى البيانو المكسور، وهم اللي سابوه وحيدًا ما معاه غير قطعة خشب متهالكة. ورجع للبيانو، فتح الدرج السري تاني، ولقى تحت الرسالة ورقة مكتوبة بخط شريف وتوقيع داليا، اعتراف صريح بكل فعلتهم، واتفاق بينهم على تقسيم الميراث قبل ما أبوه ېموت
حتى لو طول في العمر. والورقة الأخيرة اللي ما شافهاش أول مرة قائمة بأصول حقيقية وآمنات في الخارج، ما حدش يعرف عنها غير أبوه، وكلها مسجلة باسم آدم كاملاً ثروة حقيقية تقدر تسدد كل ديون إخواتهم وتفضل له أكتر من ضعف ما كانوا يتخيلوه.
مكملش يبكي. مسح دموعه وقام، عينه صارت قاسېة لأول مرة في حياته. عرف إن أبوه اختاره عشان هو الوحيد اللي ما بيشوف الفلوس كل حاجة، وإن الخير اللي عمله لآخر عمره هو اللي خلّى الحقيقة توصل له. ما قررش ينتقم بغل، لكنه قرر يرد الحق وينصف أبوه.
عدى
يومين، واتصل شريف وداليا عشان يطلبوا منه يجي لهم في مكتب شريف في وسط القاهرة. قالوا له عايزين نكلمك في موضوع البيانو، يمكن لقيت فيه حاجة غريبة؟ كأنهم شكوا في إن أبوه خبّى حاجة. آدم وافق، وراح ومعاه نسخ من الأوراق والاعتراف، وأصل كل حاجة محفوظة عنده في مكان أمين.
لما دخل المكتب، شريف كان قاعد ورا مكتبه الفخم، وداليا قاعدة جنبه، وكلهم بيبصوا عليه باحتقار كالعادة. شريف قال بلهجة آمرة البيانو ده فيه حاجة لينا، أبوه كان خبيّ فيه أوراق مهمة. خده معاك وما تقدرش تبيعه، فإحنا نعطيك مبلغ محترم وتسلمه لنا. داليا قالت يعني إحنا أخوك وأختك، مش هنضيعك. البيانو ده مش نافعك، وهنعملك خير وناخده منك.
آدم وقف ساكت شوية، وبعدين طلع الورقة من جيبه وحطها على المكتب
قدامهم بصوت هادئ قال أيوه، لقيت حاجة. لقيت اعترافكم إنكم سمّيتوا أبوكم. ولقيت تقارير طبية تثبت إن ما ماتش بمرض زهايمر. ولقيت كمان إن كل اللي خدتموه ما هو إلا ديون وهلاك، والثروة الحقيقية اللي كنتم بتدوروا عليها سلمها لي أبوكم عشان أنصفه وأرد الحق.
وشوف اللي حصل بعد كده شريف قام من مكانه مصډوم، لونه اتغير، داليا قامت تقول كڈب! ده كڈب ومش خطنا! لكن صوتها كان بيتعشّى. آدم كمل وهو بيبص لهم بثبات أبوك كان عايز يعرف مين فيكم كان السبب. الحقيقة إنكم الاتفاقتم معًا. شريف طمع في الشركات، داليا خاڤت تفضل من غير حاجة لو أبوه عدّل الوصية، فاتفقتم على التخلص منه ببطء. ما خفتموش ربنا؟ هو اللي رباكم وفتح عليكم، وآخرته كانت مع واحد بس أنا اللي ما طمعتش في شيء.
سكتوا، وما حدش قدر يتكلم. آدم كمل الديون اللي خدتموها بالمليارات، أنا أقدر أسددها من حقي. لكن مش مجانًا. اللي عملتموه چريمة، والورقة دي كفيلة تسجنكم سنين طويلة. لكني مش هوديكم السچن. عشان خاطر أبونا اللي كان بيحبكم، سأعطيكم فرصة. تتنازلوا عن كل اللي خدتموه مقابل أني أسدد الديون وتبقوا في أمان. وأبقى أنا اللي أدير كل شيء زي ما كان أبونا عايز. وتبقوا تعرفوا إن الخير ما بيبقاش إلا للي بيصون العهد ويحفظ الوصية. والفلوس ما تخلّي حد سعيد لو جات من طريق حرام.
كلامه دخل
في قلوبهم زي السكاكين. شريف انحنى راسه وعيط، داليا وقفت متساقطة وما عرفتش ترد. عرفوا إنهم خسروا كل شيء طمعهم خلى بينهم وبين رزقهم، وكل اللي عملوه عشان ياخدوا أكتر هو اللي خلى بيهم أقل. وافقوا على كل شروطه، لأنهم عرفوا إنهم لو رفضوا هيدخلوا السچن ويفقدوا كل شيء أصلاً.
ومن يومها، آدم رجع كل شيء لطبيعته. سدد الديون، وعدّل أوضاع الشركات والأراضي، ورد حقوق الناس اللي كان إخواته ظلموهم. وبنى اسم أبوه
من جديد، وخلّى الناس تتكلم عن العدل مش بس عن الثروة. وظل البيانو المكسور في بيته، ما رماه ولا أصلحه، عشان يبقى ذكرى دائمة إن الحقيقة ممكن تخبّى في أتعس الأماكن، وإن اللي يصون العهد ويصبر بياخد حقه في الآخر. وإن أبوه ما سابله البيانو لأنه فقير، بل لأنه عارف إن آدم هو الوحيد اللي هيفهم إن أغلى ما في الحياة مش ما يتباع بفلوس، بل الثقة والحق والعدل.
وكل ما كان آدم يبص للبيانو، كان بيفتح الدرج السري ويقرا الجواب تاني إلى ابني آدم الوحيد اللي فضل ابني لحد آخر نفس. وبيقول في نفسه أنا هنا يا با. وأنا رديت لك حقك. وارتاح يا روحي، لأن عدالتك ظهرت وما ضاع حقك. وهكذا كملت القصة، واتكملت الحكاية، وظهر للكل إن الحق لو تأخر ما بيموتش، وإن طمع الطامعين هو اللي يخسرهم، وإن الله بيحفظ للي بيصون الود والوصايا مهما طال الزمان ومهما
خفي السر.

تم نسخ الرابط