علبة لبن
وقلبت كل اللبن الأبيض في سلة الزبالة فوق بواقي القهوة وقشر البيض.
كريم اتصدم.
- إنتِ اتجننتي؟!
مسكت العلبة التانية.
فتحتها.
ورمتها هي كمان.
وبعدين التالتة.
- خلاص بقى! كفاية! إنتِ قليلة الأصل! صرخ كريم.
دنيا رفعت العلبة الرابعة وحطتها قدام وشه.
وقالت بهدوء:
- قبل ما تدافع عن أمك... بص كويس على ضهر العلبة.
كريم شد الاستيكر المزيف بإيده وهو متوتر.
أول ما اتشال...
ظهرت كتابة حمرا مطبوعة على العلبة نفسها.
قرأ أول سطر...
وفي لحظة...
وشه فقد كل لونه.
وساعتها دنيا عرفت إن المطبخ الصغير ده، من اللحظة دي، هيبقى بداية كابوس عمر حد في العيلة دي ما هيقدر يدفنه أو يخبيه.
تجمد كريم في مكانه، العلبة كادت تسقط من يده لولا أنه قبض عليها بقوة حتى بيضت مفاصل أصابعه. لم تكن الكلمات مجرد تحذير؛ كانت عبارة عن تحذير طبي رسمي مكتوب باللغة الألمانية والإنجليزية، مكتوب بخط أحمر عريض:
**"تحذير: هذا المنتج غير صالح للاستهلاك الآدمي. مادة خام كيميائية تدخل في صناعة الدهانات الصناعية. التناول يؤدي إلى فشل كبدي حاد وتسمم معوي لا رجعة فيه."**
الاستيكر الذي وضعته "مدام نادية" كان يخفي خلفه كارثة بيولوجية.
لم يصرخ كريم هذه المرة، بل غطى فمه بيده وكأنه يحاول منع صرخة مكتومة من الخروج. نظر إلى سلة المهملات، ثم إلى "آدم" الذي كان يلهو في كرسيه وهو لا يعلم أن أمه أنقذته للتو من الموت المحقق.
دنيا، التي كان جسدها
* "كريم..." قالت دنيا وصوتها يخرج كفحيح الأفعى، "أمك مش بس بتتحكم في حياتنا... أمك كانت ناوية تخلص مني ومن آدم بدم بارد."
* "لا.. مستحيل!" انتفض كريم بضعف، "ماما مستحيل تعمل كدة! دي كانت بتجيبله ألعاب، كانت بتحبه!"
اقتربت منه دنيا، وضعت يدها على كتفه بقوة جعلته يرتجف، وهمست:
* "آدم مش 'حفيدها'. آدم كان 'عقبة'. هي كانت عايزة تبعده عني، ولما لقتني متمسكة بيه وبطريقتي، قررت توفر لنفسها سيناريو 'الأم المفجوعة' اللي فقدت حفيدها بسبب إهمال الأم.. إهمالي أنا. كنت هتدخل السجن، وهي هتاخد حضانة آدم 'لأنه يتيم الأم المهملة'، وتكمل سيطرتها عليه زي ما سيطرت عليك."
ساد صمت مرعب في المطبخ، لم يقطعه إلا صوت غلاية القهوة التي بدأت تصفر بقوة، وكأنها تصرخ مع توتر اللحظة.
أمسك كريم هاتفه، كانت يده ترتجف بشدة. اتصل بأمه، وبمجرد أن ردت بصوتها الواثق والمتعالي: "يا كريم، بشرني، آدم عجبته الرضعة؟"، انهار كريم. لم يشتم، لم يصرخ، فقط قال بصوت أجش:
* "يا ماما... ليه؟"
صمتت مدام نادية على الطرف الآخر لثوانٍ، تحول فيها صوتها من الدلال إلى البرود الجليدي:
* "لو كنت عايز
* "إنتِ مريضة..." قالها كريم وهو يغلق الهاتف.
لكن دنيا لم تكتفِ. في تلك اللحظة، لم تعد دنيا الزوجة الهادئة. لقد أدركت أنها في حرب بقاء. قامت بجمع العلب الست، ووضعتها في كيس بلاستيكي أسود، وأخرجت هاتفها لتصور كل شيء: العلب، التحذيرات، الموقع، وتسجيل المكالمة الذي كانت قد فعلته تلقائيًا.
* "كريم، اسمعني كويس،" قالت دنيا وهي تنظر في عينيه نظرة لم يرها فيها من قبل، "إحنا مش هنروح للشرطة دلوقتي. لو رحنا، هي بمحاميها ونفوذها هتخرج منها زي الشعرة من العجين، وهتتخلص مننا فعليًا المرة الجاية."
* "أومال هنعمل إيه؟" سألها كريم وهو يبدو ضائعًا تمامًا.
* "هنلعب لعبتها." ابتسمت دنيا ابتسامة لم تحمل أي دفء، "هنتصل بيها دلوقتي، ونقولها إن 'آدم' تعب جدًا ونقلوه المستشفى. وهنشوف مين اللي هيظهر في وشنا."
بعد ساعة، كانت الشقة في حالة فوضى مفتعلة. دخلت مدام نادية، بملابسها الفخمة، بابتسامة خبيثة كانت تحاول إخفاءها تحت قناع القلق المصطنع.
* "يا خبر! ابني حبيبي ماله؟ فين الدكتور؟"
وقفت دنيا أمام باب غرفة النوم، تغلق الطريق، وبيدها نفس العلبة الفضية، لكنها هذه المرة كانت مفتوحة ومخلوطة بمواد أخرى.
* "آدم نايم يا حماتي. بس اللي مش نايم هو الحقيقة.
خرج كريم من خلف دنيا، حاملًا هاتفه الذي كان يصور كل شيء وبث مباشر على صفحة العائلة الكبيرة التي تضم كل أقاربهم وأصحاب النفوذ.
* "يا جماعة،" قال كريم بصوت ثابت، "عايز كل الناس تشوف 'هدية' أمي لحفيدي. دي المادة اللي كانت عايزانا نأكلها لابننا."
في تلك اللحظة، سقط القناع. تغير وجه مدام نادية، وبدأ ذعر الملوك عندما يسقطون. لم تكن خائفة من القانون بقدر ما كانت خائفة من الفضيحة التي ستدمر اسمها الذي بنته لسنوات.
* "هتتنازلوا عن كل حاجة،" قالت دنيا ببرود، وهي تشير إلى أوراق كانت قد أعدتها مسبقًا على الطاولة، "تنازل عن أملاككم اللي كانت تحت اسم كريم، ابتعاد كامل عن حياتنا، واعتراف مسجل باللي كنتِ ناوية تعمليه، أو الفيديو ده دلوقتي ببعته لكل وكالات الأنباء."
نظرت مدام نادية إلى ابنها، ثم إلى دنيا، وأدركت أن اللعبة انتهت. لم تعد هي المحركة للدمى، بل أصبحت هي الدمية التي تحركها دنيا الآن.
غادرت مدام نادية الشقة بعد توقيع الأوراق، منحنية الظهر، مكسورة الكبرياء لأول مرة في حياتها. جلس كريم على الأرض، يبكي مثل الطفل، بينما اقتربت دنيا من "آدم"، وحملته بين ذراعيها، وقبلت رأسه.
لم تكن قد ربحت حربًا فحسب، بل بدأت حياة جديدة، حيث لا سلطان لأحد عليهما، وحيث أصبحت هي حارسة عائلتها الصغيرة من الوحوش التي ترتدي ثياب الحرير.
انتهت الليلة، وبدأ فصل جديد، حيث لا يمكن لأحد في عائلة "الهواري" أن ينظر في عين دنيا مرة أخرى دون