عدتُ من رحلة عمل لأجد ابنتي نائمة في المطبخ قصص حماده هيكل
وفي تلك اللحظة أدركت أن أجمل الهدايا ليست الأثاث الجديد ولا طلاء الجدران، بل الجهد والحب اللذان وُضعا في كل تفصيلة، حتى وإن بدآ في البداية كقصة غامضة أخافتني في منتصف الليل.
مرت ثلاثة أسابيع على تلك الليلة، لكنني كلما دخلت غرفة ابنتي تذكرت المشهد الذي رأيته عندما فتحت الباب لأول مرة. كنت أضحك الآن على خوفي، إلا أن شيئًا صغيرًا ظل يزعجني.
في إحدى الأمسيات، عدت من العمل مبكرًا. كان زوجي لا يزال في الخارج، أما ابنتي فكانت تؤدي واجباتها المدرسية.
بينما كنت أنظف خزانتها الجديدة، لاحظت أن أحد الأدراج لا يُغلق بالكامل. سحبته بقوة، فانزلق للخارج أكثر من اللازم، ليكشف عن فراغ ضيق خلفه.
مددت يدي إلى الداخل، فلامست أصابعي صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
أخرجته ببطء.
لم يكن مقفلًا.
فتحت
كانت الصور لزوجي وهو في عمر العشرين تقريبًا، يقف بجوار رجل مسن وامرأة لم أرها من قبل، وطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.
قلّبت الصور واحدة تلو الأخرى، حتى وجدت صورة لزوجي يحمل الطفلة بين ذراعيه، وعلى ظهر الصورة عبارة بخط اليد
إلى أخي... اعتنِ بها إذا حدث لي شيء.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لم يحدثني زوجي يومًا عن أخ له.
ولم يخبرني أبدًا بوجود هذه الطفلة.
وضعت كل شيء في مكانه قبل أن يعود، لكن الأسئلة لم تفارقني طوال الليل.
في صباح اليوم التالي، انتظرت حتى خرجت ابنتنا إلى المدرسة، ثم وضعت الصندوق أمامه على طاولة الإفطار.
ما إن وقعت عيناه عليه حتى شحب وجهه.
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم جلس ببطء وكأنه فقد
قال بصوت متهدج
كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي... لكنني لم أتوقع أن يكون الآن.
جلست أمامه دون أن أنطق.
تنهد طويلًا، ثم بدأ يتحدث.
كان لي أخ أكبر اسمه آدم. كنا قريبين جدًا من بعض. قبل خمسة عشر عامًا تعرض هو وزوجته لحادث سير مروع.
توقف قليلًا، ثم أكمل
نجت ابنتهما الصغيرة... لكنها لم تتجاوز أيامًا قليلة بعد الحادث بسبب إصاباتها.
ساد الصمت بيننا.
أشار إلى الصور.
احتفظت بكل شيء لأنني لم أستطع التخلص منها. كنت أزور قبرها كل عام وحدي.
سألته بهدوء
ولماذا أخفيت الأمر عني؟
أطرق رأسه وقال
لأنني كنت أخشى أن أعيش الحزن من جديد كلما تحدثت عنه.
مددت يدي وربتُّ على يده.
لم تكن بحاجة إلى حمل هذا الحمل وحدك.
ابتسم لأول مرة منذ بدأ الحديث.
وفي مساء ذلك اليوم، اصطحبني إلى
وقفنا هناك في صمت.
وضع باقة من الزهور البيضاء على القبر، ثم همس
سامحني لأنني احتفظت بكل هذا بداخلي.
شعرت أن شيئًا ثقيلًا خرج من قلبه أخيرًا.
وعندما عدنا إلى المنزل، كانت ابنتنا تنتظرنا عند الباب وهي تحمل لوحة رسم جديدة.
قالت بابتسامة
رسمت عيلتنا.
نظرت إلى اللوحة، فوجدتنا نحن الثلاثة نقف ممسكين بأيدي بعضنا تحت شجرة كبيرة.
ابتسم زوجي، لكن عينيه امتلأتا بالدموع.
اقتربت ابنتنا وسألته
بابا... ليه بتعيط؟
مسح دموعه سريعًا، ثم احتضنها بقوة.
وقال
لأنني تذكرت أن الله، مهما أخذ منا، يمنحنا دائمًا سببًا جديدًا لنبتسم.
وفي تلك الليلة، جلسنا معًا حتى ساعات الفجر، نتحدث عن كل الأسرار التي أخفاها الخوف، ووعدنا بعضنا ألا يكون في بيتنا بعد