كل ما أعمل لقمه

لمحة نيوز

الكوسة في الطبق وقلت
بكرة هجرب آخر محاولة.
إزاي يعني؟
بصيت لبطرمان الملح وقلت بجمود
مش هحط ملح خالص.
اتصدم ولا نقطة؟
ولا نقطة.. الملح هيدخل الدولاب ويتقفل عليه. ولا صويا، ولا مرقة، ولا أي توابل فيها صوديوم.
مصطفى حواجبة اتعقدت طب وده هيتأكل إزاي؟!
خضار مسلوق بمية بيضا.. بيض مسلوق عادم.. وطبق فول من غير نقطة ملح ولا طحينة.
بصيت له في عينه وقلت
لو بعد كل ده وقالت حادق... يبقى السر مش في الأكل يا مصطفى!
مصطفى بصلي فترة طويلة، وبعدين هز رأسه وقال
أنا معاكي في اللي تشوفيه.
في الليلة دي، عملنا أبرد وأعُدم غدا اتعمل في البيت ده من يوم ما اتجوزنا مفيهوش نقطة ملح 
حطينا العلب في التلاجة.. وبصيت لهم، الأكل كان طعمه يسد النفس من كتر ما هو عادم!
ولما رجعنا بالليل جرينا عليها انا وجوزي بحماس وسالناها عن الأكل
ها يا حببتي ايه اخبار الاكل النهارده
اتنهدت بتعب وحزن وقالت.....برضه مالح حبتين يا بنتي.
انا وجوزي بصينا لبعض بذهول ووقتها بس جوزي قرر يفتح كاميرات المراقبة اللي في البيت عشان يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. وأول ما شفنا اللي حصل الظهرية في التسجيل.. ما قدرتش أمسك دموعي
أول ما مصطفى فتح الموبايل وجاب تسجيلات الكاميرا بتاعة الصالة والمطبخ، وقعدنا إحنا الاثنين على الكنبة والقلب بيخفق من التوتر، شغّلنا تسجيل الساعة 12 الظهرية بالظبط.. اللحظة اللي طنط بتصحى فيها عشان تتغدى.
شفناها وهي طالعة من أوضتها
بخطوات بطيئة، باين عليها الإرهاق.. راحت على المطبخ، طلعت علبة الأكل من التلاجة، وحطتها في الميكرويف زي كل يوم. لحد هنا، كل حاجة كانت طبيعية جداً. بس أول ما الميكرويف صفر وأخدت العلبة وقعدت على سفرة المطبخ.. بدأ السحر والوجع كله!
حطت أول معلقة في بقها، وقبل ما تبلع، شفناها بتتنهد تنهيدة طوييييلة، وحطت المعلقة من إيدها. مسكت موبايلها القديم اللي شاشته مكسورة، وفضلت تقلب فيه بثقل، وبعدين طلعت صورة.. ثلّتنا الصورة على شاشة الموبايل، لقينها صورة عمي الله يرحمه، جوزها المتوفي من خمس سنين.
مسحت على الصورة بإيدها وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة تخلع القلب، وقالت بصوت هادي خرق صمت البيت في التسجيل
الله يرحمك يا حاج حسن.. الملح كان مظبوط من إيدك، الأكل من بعدك ما بقاش ليه طعم ولا لون.. كل حاجة بقت حادقة ومرة في بؤي.
في اللحظة دي، أنا ومصطفى بصينا لبعض، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. بس التسجيل ما خلصش على كده.. المشهد اللي بعده كان هو السر الحقيقي اللي خلانا ننهار!
شفنا طنط وهي بتقوم بصعوبة، تفتح درج المطبخ، وتطلع منه علبة مخلل ليمون وزيتون كانت شرياها من بره ومخبيَاها في أخر الدرج ورى العلب!
مسكت ليمونة مخللة، وحطت منها حتة كبيرة في بقها مع كل معلقة أكل بتاكلها من الأكل العادم اللي أنا عاملاه! كانت بتاكل المخلل بشراهة غريبة، وكأنها بتدور على أي طعم قوي يكسر حالة العُدم والوحدة اللي عايشة فيها، أو
يمكن ضغطها كان ببيوطى جداً من كتر القعدة لوحدها والتفكير!
وبعد ما خلصت أكل، مسحت إيدها، ورجعت علبة المخلل مكانها في أخر الدرج، وغسلت بقها بمية كتير عشان ما نشمش ريحة المخلل لما نرجع!
اتاريها طوال الأيام اللي فاتت، كانت بتاكل الأكل المظبوط اللي أنا بعمله، وتاكل معاه مخلل حادق جداً من ومانا، فاليقمة كلها في بؤها تتحول لكتلة ملح! ولما نيجي نسألها بليل، كانت بترد بعفوية شديدة بناءً على الطعم اللي فضل في بؤها من المخلل، وفي نفس الوقت كانت بتتكسف تقول إنها أكلت مخلل عشان عارفة إننا بنخاف على ضغطها وبنمنعها منه!
مصطفى حط إيده على وشه وقعد يعيط بصوت واطي.. كان حاسس بذنب رهيب. الذنب مش إننا أثرنا معاها في الأكل، الذنب إننا سيبناها للوحدة تتآكل فيها طول النهار لدرجة إنها بتدور على طعم يرجع لها ذكريات زمان، أو يسلّيها في الأربع حيطان!
في ساعتها، قفلت الموبايل، وقمت من جنب مصطفى.
مسحت دموعي، ودخلت المطبخ.. فتحت الدرج، وطلعت علبة المخلل.
مشيت بخطوات هادية وراحت أوضتها، فتحت الباب بالراحة لقيتها قاعدة على السرير بتسبح في الضلمة.
قعدت جنبتها على طرف السرير، وحطيت علبة المخلل في حجرها.
طنط برقت بذهول واتحرجت جداً وقالت بصوت لجلج ولاء.. انتي.. انتي لقيتي العلبة دي فين؟ والله يا بنتي أنا...
مسكت إيدها وبستها بحرارة، وقلت لها والنبرة طالعة بالعافية من خنقة الزور
حقك عليا يا طنط.. حقك عليا يا أمي. أنا اللي
آسفة إني سبتك طول اليوم لوحدك.. آسفة إننا افتكرنا إن علبة أكل سخنة في الميكرويف هي كل اللي انتي محتاجاه.
طنط بصتلي والدموع اتجمعت في عينها، ومصطفى دخل الأوضة وقعد الناحية التانية، حضن إيدها وقبل رأسها وقال
يا أمي.. لو الأكل عادم من غير بابا، ومُر من غير لمتنا.. فحقك علينا. من بكرة مفيش قعدة لوحدك تاني.
اتفقنا من ليلتها على نظام جديد خالص..
مصطفى كلم شركته وضبط معاهم إنه يشتغل يومين في الأسبوع من البيت Work from home. وأنا قدمت طلب في شركتي ونقلت فرع أقرب للشقة وبيخلص بدري ساعة.
والأهم من ده كله.. اتصلت بأختها خالتو هدى وبقيت أعمل لها عزومة كل أسبوع تيجي تقعد معاها بالنهار، واتفقنا مع جارتنا اللطيفة في الدور الأرضي تدخل تشرب معاها الشاي الظهرية.
وتاني يوم.. وقفت في المطبخ، بس المرة دي ما مسكتش معلقة رقمية ولا وزنت ملح بالجرام.
طبخت صينية بطاطس بالفراخ، وحطيت الملح بالمناسبة والبركة زي ما أي ست بيت مصرية بتعمل.. وحطيت جنبها طبق مخلل صغير مخدوم صح!
ولما قعدنا كلنا نتغدى مع بعض بالليل، واللمة دافية والضحكة مالية المكان، أخدت طنط أول معلقة.. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها وقالت
الله يسلم إيديكي يا ولاء يا بنتي.. الأكل النهاردة.. سكر عسل، ومظبوط بالتمام والكمال!
عرفت ساعتها إن الأكل عمره ما كان محتاج معايير ولا جرامات.. الأكل كان محتاج بس لمة ونََفَس طيب.. والملح الحقيقي اللي بيظبط طعم الحياة،
هو وجود الناس اللي بنحبهم جنباً إلى جنب.

تم نسخ الرابط