ضحيت بكل حاجه
فيه الحقيقة الكاملة عن أمي... الحقيقة اللي شلتها في قلبي وكنت بموت بيها كل يوم.
نزلت المفتاح الإنجليزي من إيدي، وسكتت تمامًا، وحسيت كأن الهوا اتسحب من المطبخ؛ قعدت على الأرض المبلولة، وبصيت ليوسف وقولتله بنبرة مرتعشة حقيقة إيه يا يوسف؟ أمك غرقت في البحر من عشر سنين والشرطة قفلت الملف، إيه اللي أنت مخبيه عليا طول السنين دي؟ يوسف قفل باب المطبخ وراسه في الأرض، دموعه بدأت تنزل بغزارة وهو بيفتكر ليلة الشاطئ المشؤومة، وقعد على كرسي صغير وقالي أمي ما غرقتش يا بابا... أمي اتخطفت قدام عيني، وأنا اللي سكت عشان أحميك وأحمي إخواتي. الكلمة وقعت عليا كالقنبلة، حسيت بضربات قلبي سريعة لدرجة مروعة، وسألته اتخطفت؟! إزاي ومين اللي خطفها وليه ما نطقتش وقتها؟! تنهد يوسف تنهيدة طويلة ومؤلمة وبدأ يحكي القصة اللي غيرت كل مفاهيمي عن السنين اللي عشتها.
يوسف قال قبل ما أمي تتعرف عليك، كانت متجوزة من راجل غامض وخطير جدًا، راجل شغال مع شبكات تهريب دولية وآثار، وكان بيعاملها بمنتهى القسوة ولما قررت تهرب منه بالعيال بعد ما عرفت بلاويه، هددها بالقتل وقتل أولادها. قدرت تهرب وتغير مكان إقامتها وتغير أسمائنا بمساعدة محامي قديم، وعاشت في رعب دائم لحد ما ظهرت أنت في حياتها.
وقفت على رجلي وأنا مش مصدق، الدموع غطت عيني وصدمتي كانت فوق أي احتمال، عشر سنين وأنا عايش على وهم الغرق، عشر سنين ومنال عايشة أو ميتة في مكان تاني بسبب مجرمين! سألته بصوت مخنوق وليه بتقولي الكلام ده دلوقتي يا يوسف؟ بعد عشر سنين كاملة؟ يوسف مد إيده في جيبه وطلع مفتاح صغير صدئ وقالي لأن من أسبوع بس، وأنا بنظف الكتب القديمة بتاعة أمي اللي شلتها
حضنت يوسف بقوة وبكينا سوا بكاء طال كبته لعشر سنوات كاملة، بكاء غسل كل التعب والمرارة، وعرفت في اللحظة دي إن تضحيتي بالسنوات العشر الماضية
لم يكن الصندوق الحديدي مجرد قطعة من المعدن الصدئ، بل كان بوابةً إلى جحيمٍ مررنا بجواره لعشر سنوات دون أن ندري.
في تلك الليلة، لم ينم أحد في بيتنا الصغير. كان الأطفال الآخرون الذين كبروا الآن وصاروا شباناً وشابات ملأوا البيت بحركتهم يشعرون أن هناك زلزالاً صامتاً يضرب غرفتهم، لكنهم احترموا نظراتي ونظرات يوسف الواجمة، وظلوا يراقبوننا من بعيد بنظرات قلقة طالما عهدتها فيهم منذ طفولتهم.
أخذت يوسف في سيارتي المستعملة التي اشتريتها بالتقسيط قبل عامين، وانطلقنا تحت جنح الظلام إلى حينا القديم. كانت الشوارع هادئة، يلفها ضباب خفيف ورطوبة خانقة. وصلنا إلى البناية القديمة التي كنا نقطنها قبل عشر سنوات. الشقة في الطابق الأرضي كانت مهجورة ومغلقة منذ رحيلنا عنها، فمالكها القديم توفي وظلت متنازعاً عليها بين الورثة.