على مدار ٩٠ ليلة
على مدار 90 ليلة متواصلة، كنت بأكّل الراجل المشرد اللي كل الناس بتتجاهله. وفي الليلة ال 91، مسك معصم إيدي وهمس لو عايزة تفضلي عايشة... متروحيش بيتك النهارده!
اسمي فريدة، وبقالي تلات سنين شغالة وردية بالليل فني معمل في مستشفى الطبي في القاهرة.
الناس بيسمونا الموظفين المختفيين.
بينما المدينة كلها نايمة، إحنا بنقضي ليالينا تحت أضواء الفلوروسنت اللي بتطفى وتنوّر، بنحلل عينات دم، بنسابق الزمن عشان نلحق مواعيد التسليم المستحيلة، وبنراقب الناس وهم بيحاربوا عشان يشوفوا شروق شمس يوم جديد.
كل ليلة.
في تمام الساعة 315 الفجر.
كنت بخرج من باب الخدمة الخلفي.
وكل ليلة...
كان بيبقى واقف هناك.
اسمه سليمان.
ملفوف في نفس الجاكيت الباركا الكحلي المقطع.
دقنه طويلة وفيها خيوط رمادي.
وعينيه الفضية الثاقبة كانت بتبان صاحية ومركزة زيادة عن اللزوم بالنسبة لراجل المفروض إنه مبيملكش أي حاجة في الدنيا.
أفراد الأمن كانوا بيتجاهلوه.
الدكاترة يمشوا من جنبه ولا كأنهم شايفينه.
حتى كلاب الشوارع مكنتش بتمشي وراه.
بس أنا مكنتش بقدر أعمل زي الموقف ده.
وعلى مدار تسعين ليلة ورا بعض، كنت بجبله ساندوتش فراخ سخن وترمس فيه قهوة سادة.
عمره ما شحت.
عمره ما طلب فلوس.
كان ببساطة بياخد الأكل، ويبص في عيني مباشرة، ويقول دايماً نفس الجملة الغريبة
شكراً يا فريدة... إنتي الشخص الوحيد اللي لسه قادر يشوف الهوا.
كنت بظن إنه مجرد روح مكسورة تانية عقله تاه في مكان ما بره حدود الواقع.
لكني كنت غلطانة تماماً.
الخميس اللي فات، كان فيه شبورة مش طبيعية بلعت منطقة المستشفى بالكامل قبل الفجر.
الهوا كان تقيل.
ساكت.
ومش مريح.
لما خطيت بره في الممر...
سليمان مكنش قاعد على كرتونته المعتادة.
كان واقف.
مفرود تماماً.
كتافه عريضة ومشدودة.
وقفته مكنتش وقفة راجل مشرد خالص.
كانت شبه وقفة العساكر.
منضبطة.
ومستعدة.
رعشة مشيت في ضهري بالكامل.
مديت إيدي في شنطتي وطلعت الساندوتش بتاعه.
مبصش عليه حتى.
بدل من ده...
مسك معصم إيدي.
مسكته مكنتش عنيفة.
بس كانت قوية بشكل يرعب.
زي الحديد الصلب.
ضربات قلبي انفجرت من الخوف.
همس وهو صوته بيترعش لأول مرة من تلات شهور وقال يا فريدة.
إنتي أكلتيني لمدة تسعين يوم.
عاملتيني كإنسان في الوقت اللي كل الناس كانت بتمشي من جنبي كأني زبالة.
ضغط على مسكته أكتر.
عشان كده النهارده...
ده دوري عشان أرد الجميل.
حاولت أشد إيدي منه.
معرفتش.
بعدها قرب مني لدرجة إني شميت ريحة القهوة اللي كنت لسه جايباها له من كام ساعة بس.
عينيه ثبتت في عيني.
وكل كلمة كانت بتطلع منه بطيئة.
باردة.
وحاسمة.
مترجعيش شقتك النهارده.
اركيبي خط المترو اللي رايح لآخر المحطة في اتجاه الشمال.
واقعدي جوه الكافتيريا اللي بتفتح 24 ساعة اللي جنب آخر محطة.
مهما حصل...
إياكي تخطي بره المحطة أو الكافتيريا لحد ما الشمس تطلع.
وتعاليلي هنا بكرة.
أنا هشرحلك كل حاجة.
وقبل ما ألحق أسأله سؤال واحد...
بص ورا كتفي.
ولون وشه خطف وبقى أبيض زي الحيطة.
ولأول مرة من يوم ما عرفته...
شفت رعب حقيقي
الفصل الثاني أخبار الصباح
عملت زي ما قال بالظبط. قضيت ست ساعات كاملة قاعدة في ركن في كافتيريا The Neon Plate، متبتة في كوباية قهوة ساردة، وعيني مش بتفارق الباب. كنت حاسة إني مجنونة... لحد ما فتحت الموبايل الساعة 7 الصبح. العنوان الرئيسي في الأخبار المحلية خلا الدم يتجمد في عروقي انفجار بسبب تسريب غاز يدمر مجمع سكنى في منطقة المستشفيات.
دي كانت عمارتي أنا. المطافي كانت بتقول إن السبب غلاية باظت، بس الصورة كانت مبينة إن شقتي أنا بالذاتاللي في الناصيةكانت هي مركز الانفجار. أنا كان المفروض أكون في السرير ده دلوقتي. كان المفروض أكون رماد. جريت وراجعة على الممر بتاع المستشفى. سليمان كان مستنيني، بس مكنش لابس الجاكيت الباركا المقطع. كان لابس سترة تكتيكية واقي رصاص نظيفة، وماسك في إيده تابلت، ومحاوطينه أربعة رجالة ببدل غامقة، شكلهم ينتمي لجهاز مخابرات أو جهة حكومية.
نفست بالعافية وصوتي بيترعش من الصدمة إنت مين؟
سليمان قرب مني خطوة وقال أنا اسمي سليم فوزي. أنا مش مشرد يا فريدة. أنا مستشار أمن خاص. ومن تلات شهور فاتوا، تم تعييني من قِبل الأوصياء على تركة والدك الله يرحمه.
قلتله وأنا مستغربة ومش فاهمة حاجة بابا مات في حادثة عربية من عشر سنين!
سليم رد عليا والدك مماتش في حادثة. والدك كان مُبلغ وبيكشف الفساد في شركة Aethelgard للأدويةنفس الشركة اللي تملك المستشفى دي. كان عارف إنهم بيزوروا نتائج التجارب السريرية للأدوية. هو خبى الهارد الماستر اللي عليه كل
برقتله وأنا مصدومة. عيد ميلادي التلاتين كان إمبارح بالظبط.
سليم كمل كلامه الانفجار ده مكنش تسريب غاز. دي كانت مجموعة تصفية ومسح أثر. كانوا فاكرين إن الهارد معاكي في الشقة. مكنوش يعرفوا إنك شايلاه وماشية بيه في العلن قدام عيون الكل بقالك تلات شهور.
بصيتله بذهول وقلت إنت بتتكلم عن إيه؟ أنا مش معايا حاجة!
سليم شاور بإيده على الشنطة اللي في إيدي، وقال وهو عينيه حادة ومركزة الترمس يا فريدة. ترمس القهوة السادة اللي كنتي بتجيبيهولي كل ليلة. والدك سابلك وصية غريبة مع المحامي بتاعه إنك تستخدمي الترمس ده بالذات لما تشتغلي في المستشفى، صح؟ القاعدة المزدوجة اللي تحت في الترمس مش عازل حرارة... ده غلاف مصفح جواه كارت الذاكرة اللي عليه الداتا اللي بتهد إمبراطوريتهم كلها.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا. القهوة اللي كنت بعملها بحسن نية كل ليلة، والراجل اللي كنت بأكله... كل حاجة كانت متخططة.
في اللحظة دي، واحد من الرجالة اللي ببدل قرب من سليم وهمس في ودنه بسرعة، سليم ملامح وشه اتغيرت وبصلي وقال بنبرة سريعة وفيها خطر عرفوا إنك مجيتيش الشقة، وبدأوا يراجعوا كاميرات المستشفى... فريدة، هما جايين هنا دلوقتي حالا. لازم نتحرك فوراً.
سليم مسك إيدي بسرعة، بس المرة دي مسكته كانت خفيفة وموجهة، وسحبني وراه ورا الرجالة اللي ببدل. م لحقناش نتحرك خطوتين في الممر، وفجأة سمعنا صوت فرملة عربيات قوية وعنيفة بره عند أول الشارع.
سليم بص لواحد من الرجالة وقال