البنت ندهت على
البنت الصغيرة جريت على الرجالة بتوع الموتوسيكلات وهي بتعيط هما بيضربوا ماما! واللي عملوه بعدها خلّى الكل يتكلم...
كانت الموتوسيكلات مركونة قدام مطعم صغير على أول الشارع، لما فجأة بنت صغيرة جريت حافية على الإسفلت وهي معدية الشارع بسرعة.
كان عندها خمس سنين بس، وبتعيط جامد لدرجة إنها كانت بالعافية قادرة تاخد نفسها، ولابسة جزمة سودا أكبر من مقاس رجلها بكتير.
وفجأة مسكت في جاكيت الجلد بتاع أضخم راجل فيهم وصرخت
هما بيضربوا ماما... ارجوكم ساعدوها!
لحد قبل اللحظة دي، كان اليوم عادي جدًا.
أربعاشر موتوسيكل واقفين جنب الرصيف في صف طويل، والكروم بتاعهم بيلمع تحت الشمس، وصوت الموتورات وهي بتبرد كان مالي المكان بهدوء غريب.
وجوه المطعم، الناس كانت واخدة بالها منهم زي كل مرة.
الجلد.
الوشوم.
الشعارات على الضهر.
الجزم التقيلة.
والهيبة اللي بتدخل مع رجالة حجمهم يخلي أي غريب يفكر مرتين قبل ما يتكلم.
الديب كان متعود على النظرات دي.
اسمه الحقيقي كان طارق، لكن تقريبًا محدش بقى بيناديه بيه.
عنده 38 سنة، جسمه ضخم زي الحيطة، وإيده مليانة آثار جروح قديمة، ودقنه سودا كثيفة، وعينيه هادية لدرجة إن ناس كتير كانت بتفتكر إنه قاسي.
هو غلط في حياته قبل كده.
وكتير من أصحابه كمان غلطوا.
بس الديب كان عنده قوانين دلوقتي.
قوانين صارمة.
واضحة.
لأنه كان مؤمن إن
كان راكع جنب الموتوسيكل بتاعه بيشيك على العجلة الأمامية، لما سمع الصوت.
مش صوت طفل مدلل.
ولا نوبة عياط عادية.
كان صوت خوف حقيقي.
وقف قبل حتى ما يشوف البنت.
باب المطعم اتفتح وطلع واحد من أصحابه وهو ماسك قهوته، والناس اللي قاعدة جنب الشباك رفعت راسها تبص.
البنت عدّت من جنب أول موتوسيكل.
وعدّت من جنب الكل.
وجريت على طول ناحية الديب.
فستانها الأحمر كان مترب من تحت، وضفيرتها كانت مفكوكة، ووشها كله دموع.
والجزمة الكبيرة كانت بتخبط في الأرض وهي بتجري لدرجة إنها اتكعبلت مرتين...
بس ما وقفتش.
مسكت جاكيته بإيديها الصغيرين وقالت وهي بتشهق من العياط
هما بيضربوا ماما... ارجوك ساعدها.
نزل فورًا على ركبة واحدة قدامها.
من غير تردد.
من غير ما يسألها إذا كانت متأكدة.
ومن غير ما يقول إن ده مش شغله.
نزل لحد ما بقى في نفس مستوى عينيها.
وقال بصوت هادي
بصيلي يا بطلة.
كانت بترتعش من الخوف.
إنتي عملتي الصح لما جيتي هنا... اسمك إيه؟
قالت وسط دموعها
نور.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال
وأنا اسمي الديب.
بصتله باستغراب وسط عياطها وقالت
بس الديب حيوان!
الرجالة اللي وراه كانوا بين الضحك والعيط من الموقف.
هز راسه بجدية وقال
عندك حق... اسمي الحقيقي طارق، بس نبقى نتكلم في ده بعدين. دلوقتي وريني... ماما فين؟
لفت وشها ومدّت إيديها
على الناحية التانية من الشارع كان فيه عمارة قديمة لونها بيج، دهانها واقع، والأرض قدامها متشققة، والستاير رخيصة، وباب المدخل شكله متصلح بطريقة عشوائية بعد خناقة قديمة.
وفي شباك فوق كان فيه فوطة متعلقة بدل الستارة.
وفجأة طلع صوت من إحدى الشقق الأرضية.
صوت خلّى فك الديب يتشد.
هو عارف الصوت ده.
وكل واحد واقف وراه كان عارفه برضه.
واحد من أصحابه قرب منه وقال
سمعته؟
رد من غير ما يبصله
آه... سمعته.
نور مسكت في الجاكيت أكتر وهي بتقول
أرجوك...
بص لصاحبه.
كان بالفعل حاطط القهوة على الأرض.
وبص لباقي الرجالة.
محدش كان محتاج كلام.
لأن الشجاعة مش دايمًا بتكون بصوت عالي.
أوقات كتير بتكون في هدوء مفاجئ بين مجموعة ناس قرروا يتحركوا في نفس اللحظة.
فك صوابع نور الصغيرة من على الجاكيت بهدوء، وحط إيديها في إيد واحدة من الستات اللي كانت واقفة معاهم.
وقال لها
خليكي معاها.
صرخت نور
لا! ماما...
فنزل لمستواها تاني وقال
إنتي كان دورك تجيبي المساعدة... وده عملتيه فعلًا. دلوقتي سيبينا نعمل دورنا.
الست حضنت البنت وقالت
أنا معاكي ومش هسيبك لحد ما مامتك تبقى بخير.
وقف الديب.
اتنين فضلوا مع نور.
واحد طلع تليفونه واتصل بالإسعاف والشرطة.
وواحد تاني اتصل بجمعية بتساعد الستات المعنفات كانوا يعرفوها كويس.
وبعدين بدأ يمشي ناحية العمارة.
ما
وما هددش حد.
كان ماشي بخطوات سريعة وثابتة ومقصودة...
وورا ضهره ماشيين حداشر راجل.
ولما وصل لباب الشقة المكسور...
الصوت اللي كان جاي من جوه...
وقف فجأة.
كان صوت السكوت اللي ساد فجأة أخطر من أي صوت خناقة سمعوه قبل كده. الديب رفع إيده وخبط على الباب خبطتين قويتين، مش عشان يستأذن، بس عشان يخلي اللي جوه يعرف إن مش وحدهم.
من جوه سمعوا صوت خطوات سريعة، وبعدها صوت راجل ناعم ومش عارف يفهم مين اللي هناك؟ مفيش حد هنا غلط!
رد الديب بصوت وصل لجوه كل ركن في الشقة طارق، افتح الباب يا سيد. مش عايزين نكسره، بس هنفعله سواء فتحته أو لا.
سكت الراجل جوه ثواني، وبعدها اتفتح الباب ببطء شديد. كان واقف قدامهم راجل في أواخر العشرينات، ملابسه مبعثرة، وعنده خدش طويل على خده، وإيده اليمين حمراء زي ما كان بيضرب بيها في حاجة صلبة. لما شاف الرجالة اللي ورا الديب، تراجع خطوتين لورا واتلاشى لونه تمامًا.
الديب دخل أول واحد، وعينيه بتلف بسرعة على كل حاجة في الشقة الصغيرة. كانت نظيفة ومترتبة بس قديمة، الأثاث بسيط، والستاير بيضاء مشمعة بالشمس. وفي وسط الصالة، على الأرض المغطاة بسجادة باهتة، كانت سيدة ملقاة على جنبها، شعرها الأسود مبعثر على وشها، وملابسها ممزقة في الكوع والكتف. حاولت ترفع راسها لما شافت الضيوف، بس ما قدرتش، وطلع منها صوت خافت مش كده يا
الديب رفع إيده لصاحبيه يخليهم يوقفوا عند الباب، ومشى لوحده قرب منها، ونزل على ركبة