ابويا عزم العيلة كلها

لمحة نيوز


يسمح لأحد أن يعيده إلى المكان الذي كُسر فيه.
تمت بعد مرور ستة أشهر...
كانت منة واقفة في شرفة بيتها الجديد، تبص على شروق الشمس، وسيف بيحط فنجان القهوة قدامها وهو بيبتسم.
قال لها لسه زعلانة؟
ابتسمت وقالت مش زعلانة... بس لسه بتعلم يعني إيه أحس إني مهمة عند حد.
في نفس اللحظة، رن تليفون سيف.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
رأفت بيه.
بصت له منة باستغراب.
رد سيف بسرعة، لكن بعد ثواني قال إيه؟! إزاي ده حصل؟
وشه شحب.
قفل المكالمة، وبص لمنة وقال الشركة بتاعة والدك أعلنت إفلاسها... وكل حساباته اتحجز عليها.
منة اتصدمت، ورغم كل اللي حصل، قالت بسرعة يلا بينا.
وصلوا بيت العيلة، فلقوا البيت مليان موظفين من البنك، والناس بتخرج الأثاث.
ميرفت كانت قاعدة على السلم بتعيط، وفريدة ومروان واقفين مش عارفين يعملوا إيه.
أول ما شافوا منة، نزل رأفت من فوق السلم وهو مكسور تمامًا.
قال بصوت مخنوق أنا خسرت كل حاجة... ومش طالب منك فلوس... أنا بس كنت عايز أشوفك.
وقالت الفلوس بتروح وتيجي... لكن الأب مبيتكررش.
سيف كان واقف بعيد، يراقب المشهد في صمت.
وبعد دقائق، اتجه لرأفت وقال أنا مش هرجع الشراكة القديمة... لكن هديك فرصة جديدة.
استغرب رأفت.
قال سيف هتشتغل معايا... موظف. لا مدير ولا صاحب شركة. تبدأ من الصفر، وتثبت نفسك زي أي حد.
نزلت دموع رأفت.


وقال موافق... ويمكن دي أول مرة أتعلم إن الكرسي مش هو اللي بيعمل قيمة الإنسان.
ابتسم سيف ومد إيده يصافحه.
أما منة، فشعرت لأول مرة أن العدالة لا تعني الانتقام، بل أن يأخذ كل إنسان فرصة ليصلح أخطاءه.
وهكذا بدأت للعائلة صفحة جديدة، عنوانها الاحترام بعد سنوات من التفرقة، وأصبح البيت الذي كان يفرق بينهم يجمعهم من جديد على المحبة، لا على المصالح بعد سنة كاملة...
كانت منة وسيف في حفل افتتاح أكبر مشروع سكني جديد، والصحافة كلها موجودة.
المذيعة سألت منة بصراحة... إيه أكتر لحظة غيرت حياتك؟
ابتسمت وقالت اليوم اللي كنت واقفة فيه في المطبخ بمريلة، وكل الناس شايفاني مجرد خدامة... وفي نفس اليوم عرفت إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت في المكان اللي واقف فيه.
انتشر الفيديو على مواقع التواصل بشكل واسع، ووصل لرأفت وهو في مكتبه الصغير بالشركة الجديدة.
ابتسم في هدوء وقال لزميله دي بنتي... وأنا فخور بيها.
وفي المساء، دعا رأفت العائلة كلها لعزومة جديدة.
لما وصلت منة، اتفاجأت إن أول كرسي على رأس السفرة كان عليه بطاقة مكتوب فيها
مكان منة.
وقفت مكانها، وعينيها دمعت.
رأفت قام من مكانه وقال قدام الجميع زمان كنت بسيب بنتي واقفة تخدمنا، النهارده أنا اللي بطلب منها تتفضل تقعد في أول مكان... لأنها أكثر واحدة تستحق الاحترام.
ميرفت بنفسها
دخلت المطبخ، وخرجت وهي شايلة الأطباق.
منة قامت بسرعة وقالت سيبيها يا ماما، أساعدك.
لكن ميرفت ابتسمت وهزت رأسها.
وقالت لأ... النهارده دوري أنا أخدم بنتي، ولو مرة واحدة بعد كل السنين دي.
بكت منة،
حتى فريدة ومروان اعتذروا لها مرة أخرى، واعترفوا أنهم كانوا يشاركون في ظلمها بصمت.
وبعد أشهر قليلة، أعلنت منة عن إنشاء مؤسسة خيرية باسم كرامة، هدفها تعليم البنات غير القادرات ومساعدتهن على استكمال دراستهن، حتى لا تُحرم أي فتاة من تعليمها بسبب الظروف كما حدث معها.
وفي حفل افتتاح المؤسسة، طلبت منة من والدها أن يقص الشريط بنفسه.
استغرب الجميع.
همس لها سيف بعد كل اللي حصل... ليه هو؟
ابتسمت وقالت لأن الإنسان اللي اعترف بغلطه واتغير... يستحق فرصة يبدأ من جديد.
صفق الحاضرون بحرارة، بينما وقف رأفت والدموع في عينيه، وهو يدرك أن أعظم إنجاز في حياته لم يكن شركة ولا ثروة... بل أنه استعاد ابنته قبل فوات الأوان.
النهاية بعد خمس سنوات...
كانت مؤسسة كرامة بقت من أكبر المؤسسات الداعمة لتعليم البنات، وآلاف الطالبات كملوا تعليمهم بمنح كاملة.
وفي يوم الاحتفال بالذكرى الخامسة، كانت منة واقفة على المسرح، وبجوارها سيف، وبين إيديها طفلتهم الصغيرة ليان.
وفجأة، طلبت منة من مقدم الحفل ينادي على شخص مميز.
صعد رأفت إلى المسرح وسط تصفيق طويل.

كان شعره قد اشتعل بالشيب، لكن ملامحه أصبحت أكثر هدوءًا وتواضعًا.
ناولته منة درعًا تذكاريًا، وقالت أمام الجميع
الناس مستغربة ليه بكرم والدي... رغم إنه كان سبب أكبر وجع في حياتي. لكن الحقيقة إن الإنسان اللي يعترف بخطئه، ويقضي بقية عمره يصلحه، يستحق الاحترام.
لم يتمالك رأفت نفسه، وانفجر في البكاء.
ثم أمسك الميكروفون وقال
أنا كنت فاكر إن العدل يعني أدي كل واحد اللي يستحقه... لكن اكتشفت متأخر إن أولادك كلهم يستحقوا نفس الحب. ظلمت بنتي سنين، وربنا اداني فرصة أصلح جزء من اللي عملته.
بعد انتهاء الحفل، خرجت العائلة كلها لالتقاط صورة جماعية.
وقفت منة في المنتصف، وعن يمينها أمها وأبوها، وعن يسارها سيف وابنتها.
نظر المصور إليهم وقال مبتسمًا
قولوا... عيلة.
ابتسم الجميع لأول مرة دون مجاملة أو تصنع.
التُقطت الصورة، لكنها لم تكن مجرد صورة عائلية، بل كانت دليلًا على أن القلوب قد تنكسر... لكنها قد تلتئم أيضًا إذا وُجد الصدق والندم والتسامح.
وهكذا انتهت الحكاية، ليس لأن الحياة أصبحت بلا مشاكل، ولكن لأن أفرادها تعلموا أن الاحترام والعدل داخل البيت هما أساس أي سعادة، وأن أغلى إنسان قد يكون هو نفسه الشخص الذي أهملناه لسنوات. بعد عشر سنوات...
في صباح هادئ، كانت منة جالسة في مكتبها داخل مؤسسة كرامة، تراجع ملفات الطالبات، عندما
دخلت السكرتيرة وقالت
في بنت برة يا أستاذة منة، مصممة تقابلك.
 

تم نسخ الرابط