من الفيوم للقاهرة

لمحة نيوز


من الخوف على الفلوس إنتي اتجننتي يا هدى؟! بتفضحيني قدام أبوكي؟ وشيلي الزفت ده جوه إيه اللي هتديهوله ده؟! ده دهب بيتي! وفي نفس الوقت وشه كان جايب ميت لون، الكسفة والفضية قدام حماه كانت هتموته، بس خوفه على الفلوس والدهب كان أكبر من أي برستيج.
ضحكت بصوت عالي كله سخرية وقلت له بيت إيه يا محمود؟! هو أنت خليت فيها بيت؟ أنت كنت فاكرني هفضل أعديلك كتير وأسكت على قرفك؟!
والتفت لأبويا وقلت له شفت يا بابا البيه اللي واقف قدامك ده؟ ده بيحسب عليا اللقمة اللي بآكلها! ده بيخش البيت ب ٣ برتقانات بالعدد، ويزعق لو أخدت واحدة زيادة. ده بيطفي النور ورايا وأنا لسه واقفة في الأوضة ويقولي الكهربا بفلوس. عيشتي معاه بقت تقرف ومبقتش طيقاها ولا طايقة أبص في وشه!
محمود اتملا غل ووشه احمر وعروقه برزت، وحس إنه اتقشر وبقى عريان قدام حماه، ومبقاش فيه أي مجال للمدارة. قرب مني ورفع صباعه بتهديد وقالي بصوت جهوري وهو بيحاول يداري كسفته بالخناق اسكتي خالص يا هدى.. اقسم بالله لو مسكتيش ودخلتي جوه...
قاطعته وأنا بقف في وشه بكل قوة وعيني في عينه ولا إيه يا محمود؟! ها؟ هتعمل إيه يعني؟! هتطلقني؟! يا ريت تعملها، تبقى كسبت فيا ثواب العمر كله! ريحني وطلقني دلوقتي حالا عشان أغور من وشك ومن بخل ومجاعتك دي!
أبويا لما شاف المنظر وشاف دموعي

وسمع اللي كنت مخبياه عليه طول السنين دي، دمه غلي. الراجل الطيب الهادي، فجأة هيبته ملأت المكان، وقف وضرب بالعصاية بتاعته في الأرض وصوته هز الحيطان بس! ولا كلمة زيادة يا محمود. بنتي مش هتقعد لك في البيت ده دقيقة واحدة تانية. دهبها معاها، وخيرنا معانا، وأعلى ما في خيلك اركبه!
محمود وقف متنح، الكلمات لجمت لسانه. هو كان فاكرني الست الضعيفة اللي هتخاف من كلمة طلاق وتجري تبوس إيده وتعتذر، مكانش متخيل إن البخل بتاعه هو اللي هيهد المعبد على دماغه.
دخلت الأوضة في دقيقتين، لميت هدومي الأساسية في شنطة، وخرجت وأنا ماسكة
في إيد أبويا، وشايلين زيارتنا ودهبنا معانا. مابصيتش ورايا ولا حتى عشان أشوف وشه المصدوم اللي كان واقف زي التماثيل مش قادر ينطق ولا كلمة.
رجعنا الفيوم، وطول الطريق وأنا حاطة راسي على كتف أبويا وبعيط، بس مكنتش عياط حزن، كان عياط راحة، كأن جبل وانزاح من على صدري. أبويا كان بيطبطب عليا ويقولي حمد الله على سلامتك يا بنتي، بيتي مفتوحلك، واللقمة اللي كنا بناكلها اتنين، هناكلها تلاتة وأربعة، والراجل اللي يستخسر في ضيفه لقمة، مأمنش عليه ضفري، فما بالك ببنتي.
محمود افتكر إني هقعد يومين تلاتة وأهدا وأرجع، ففضل مكابر ومرضيش يتصل. بس أنا مكنتش ناوية أرجع أبداً. بعد أسبوعين بالظبط، رفعت عليه قضية خلع،
وتنازلت عن كل حقوقي المالية والمؤخر، لأن حريتي وكرامتي ونفسيتي كانوا أغلى من أي مليم ممكن يجي من وراه. وطبعاً لما عرف إني هخلعه ومش هيكلفه الموضوع مليم، وافق ومقاوحش، وطلق رسمي عشان يوفر تمن المحاميين!
في الفيوم، مأقعدتش حاطة إيدي على خدي. بعت غويشة واحدة من الدهب اللي أبويا جابهولي، وبدأت مشروع صغير من البيت؛ كنت بعمل الفطير المشلتت الفلاحي، والأكل البيتي النضيف، وأبيعه لجيراني وللمحلات. سبحان الله، الرزق كان بيجري في إيدي زي المية، كأن ربنا كان بيعوضني عن كل لقمة حرمت نفسي منها مع محمود. المشروع كبر وبقى عندي محل صغير والناس بتجيلي مخصوص من كل حتة.
مرت سنة كاملة، وفي يوم وأنا واقفة في المحل ببيع وبضحك مع الزباين، لقيت راجل داخل، لابس هدوم قديمة ومبهدلة، ووشه خاسس وعينه مطفية. ركزت فيه.. مكانش حد غير محمود!
وقف قدامي وهو بيموت من الكسرة، وبص في الأرض وقالي بصوت واطي إزيك يا هدى؟
بصيت له بكل برود وقلت له الحمد لله.. خير يا محمود؟ جاي هنا ليه؟
قالي وهو صوته بيترعش أنا جاي أطلب منك السماح يا هدى. الدنيا دارت بيا وورتني نجوم الظهر. الشغل بتاعي قفل وصاحب الشغل مشاني، والشقة الإيجار مأقرتش أدفع مصاريفها وصاحبها طردني، ورجعت عشت في الشقة القديمة المهدومة لوحدي وسط التراب والضلمة. أنا عرفت قيمتك لما
بقيت مش لاقي لقمة آكلها ولا حد يتبسم في وشي. البخل عمى عيني وخرب بيتي وضيعك مني. أنا مستعد أعمل أي حاجة بس ترجعيلي ونبدأ من جديد.
في اللحظة دي، أبويا دخل المحل. أول ما محمود شافه، جري عليه ونزل على الأرض وباس إيده وهو بيبكي بحرقة سامحني يا عمي.. أنا غلطت في حقك وحق بنتك، وربنا جاب لكم حقكم مني، سامحوني ورجعولي مراتي.
أبويا راجل شهم وأصيل، طبطب على كتفه وقومه من الأرض وقاله بوقار أنا مسامحك يا ابني لله.. ومبشيلش في قلبي من حد. بس بنتي خلاص مبقتش ليك، هدى دلوقتي صاحبة بيت وصاحبة شغل، والراجل اللي ميعرفش قيمة الأصول والكرم من الأول، مأمنش عليه بنتي تاني أبداً. روح يا ابني ربنا يسهل لك الصعب، بس صفحتنا معاك اتقفلت.
بصيت لمحمود وقلت له كلمتي الأخيرة شفت يا محمود؟ الدهب اللي كنت هتموت وتخطفه من إيدي، هو نفسه اللي فتح لي المحل ده وبقى سبب رزقي وخيري. والكرم والأصول اللي استخسرتهم في أبويا، هما اللي مخليني واقفة على رجلي دلوقتي وسط أهلي وناسي مكرومة. ربنا يسهل لك حالك.. بس أنا خلاص، مبقاش ينفع أرجع لورا.
خرج محمود من المحل وهو بيجر أذيال الخيبة والندم، بعد ما خسر كل حاجة بسبب بخل وسواد قلبه، وعرفت يومها إن الكرم مش بس فلوس، الكرم ده بركة ورزق ونفس طيبة، وإن اللي بيقفل بابه في وش الخير، ربنا بيقفل في
وشه كل الأبواب.

 

تم نسخ الرابط