كنت عازمه أهلي عندي على الغدا
حماتي، التليفون مالحقش يسكت.. رن بغضب وصوت رناته كان بيهز الحيطة.
حماتي أول ما شافت اسم ابنه منور على الشاشة، ضحكت بانتصار وقالت في سرها أهو شاف الفيديو وهيطلقها ديلوقتي ويرميها في الشارع. فتحت الخط بلهفة وصوت كله مسكنة مصطنعة
ألو.. ألو يا حبيبي يا بهجت، شوفت؟ شوفت عمايل الهانم في غيابك؟ شوفت شقاك بيروح فين يا ضنايا؟
ما لحقتش تكمل كلامها، وصوت بهجت طلع من السماعة زي الرعد، حازم ومكتوم من كتر العصبية
إيه اللي أنتِ عملتيه ده يا أمي؟! إيه التصرف اللي يفضح ويصغّر دا؟! بتدخلي بيتي من غير إذن وتصوري وتطردي الناس من على أكلهم؟!
حماتي اتصدمت من نبرته، ووشها اتخطف وقالت بلجلجة
يا ابني أنا بوعّيك.. دي بتصرف فلوسك يمين وشمال و...
قاطعها بهجت بصوت كله حرقة وعتاب
بتوعيني لإيه؟! مراتي بنت حلال وصاينة العشرة، ومتحملة غربتي وقرفي وشقايا لوحدها بقالها سنين، وعمرها ما اشتكت ولا طلبت زيادة! فلوسي إيه اللي بتتكلمي عليها؟ دي لقمة بتاكلها مع أهلها في بيتها!
سكت ثانية يتنفس بعصبية، وكمل بصوت لانت فيه نبرة خجل وقهر وهو بيفتكر الأيام الصعبة
أهل مراتي دول يا أمي، قبل ما أسافر والديون راكباني، هما اللي وقفوا جمبي! نسيتي لما كنت محتار ومش لاقي تمن التذكرة ومصاريف السفر ومحدش رضي يسلفني؟ حمايا الراجل الطيب اللي طردتيه من بيتي دا، يوم ما جيت أسافر، خدني على جنب وطلع ظرف فلوس من جيبه واداهولي في ايدى ، وقالي دا خليه في جيبك لعوزة الغربة يا ابني وأنا بنتي في عنيا .. تبقى دي جزاتهم؟! نطردهم من بيتي ونكسر عينه وعين ولاده بالشكل الرخيص
حماتي قعدت على الكنبة والذهول واكل وشها، ومبقتش عارفة تنطق ولا تدافع عن نفسها بعد ما جوزها جاب تاريخهم كله في ثانية.
قفل بهجت السكة مع أمه، وقعد يفرك في إيده وعقله مش مبطل تفكير.. كان حاسس بنار قايدة في صدره، وخجلان من نفسه ومن اللي عملته أمه في الناس اللي أكرموه. مكانش ينفع يستنى ثانية واحدة من غير ما يداوي جرح مراته ويرد اعتبار أهلها.
مسك التليفون وتاني ورن على مراته، أول ما فتحت الخط والشهقة لسه في صوتها، قالها بنبرة حاسمة وكلها رجولة
ألو.. اسمعيني كويس يا حبيبتي واعملي اللي هقولك عليه ديلوقتي حالا. الأكل اللي على السفرة ده كله، المحاشي والبط والبشاميل، تلميه وتغلفيه كله في شنط نظيفة. اقفلي شقتك، وانزلي خدي تاكسي واطلعي على بيت أبوكي. الأكل ده معمول لأهلك ومن خيرهم الأولاني عليا، وهما أولى بيه ياكلوه في بيتها معززين مكرمين، وأنا مش هقبل مراتي تقعد ليلتها زعلانة ومكسورة في بيت مقفول عليها لوحدها. انزلي روحي لحضن أبوكي وأمك واغسلي زعلك وسطهم.
مسحت مراته دموعها، ولأول مرة من ساعات تحس إن نفسها بدأ يرجع لها، وبأن كرامتها بدأت تترد بفضل موقف جوزها. أسرعت ولمت الطعام بكل حب وعناية، وقفت شقتها ونزلت رايحة لبيت أهلها وقلبها مطمن بجوزها.
في نفس الوقت، بهجت مستناش؛ ضغط سريعاً على رقم حماه أبو أحمد. كان قلبه بيدق بسرعة وخايف من المواجهة، فكيف يقابل الرجل الطيب اللي وقف جمبه يوم ضيقته؟
جاءه صوت حماه بعد كم رنة، صوت هادي بس فيه نبرة كسرة وحزن غريبة عليه
ألو.. أهلاً يا بهجت يا ابني، عامل إيه؟ فيك حاجة؟
بهجت أول ما سمع صوته، مخنوق بالبكاء والأسف الشديد وقال
عمي.. يا حاج أحمد، أنا ببوس إيدك ورأسك من ورا الشاشات والمسافات ديلوقتي. حقك عليا أنا، كرامتك فوق راسي من فوق، والبيت اللي انطردت منه ده بيتك أنت، بفلوسك وخيرك اللي ساندني لحد ديلوقتي في غربتي. أنا لولا ظرف الفلوس اللي اديتهولي في إيدي وأنا مسافر ومحدش راضي يسلفني، مكنتش بقيت بهجت ديلوقتي.
تابع وصوته بيترعش من الخجل
أنا أسف بالنيابة عن أمي، وتأكد إن اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل، وأنا عرفتها مقامكم ديلوقتي. مراتي زمانها جاية في الطريق ليكم، وجايبة معاها لقمة الخير اللي اتعملت عشانكم، أرجوك يا عمي استقبلوها، واعرف إن ابنك بهجت عمره ما ينسى فضلكم، ورقبتي سدادة قدام أي كلمة اتقالت في حقكم.
تنفس الأب الصالح براحة، ونزلت دموع صامتة من عينيه، بس المرة دي كانت دموع فخر بأنه أحسن اختيار راجل لبنته، وقال بصوت كله حنية
لا إله إلا الله يا بني.. مسامحك، وأنت مالكش ذنب، أنت راجل وصنت بنتي وعرفت الأصول، وده يكفيني ويريّح قلبي. بنتنا بيتها مفتوح لها في أي وقت، ومستنينها توصل بالسلامة. ترجع لنا بألف سلامة يا حبيبي ولا تشيل هم واهتم بشغلك.
قفلت السكة مع حمايا، وأخيراً حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي انزاح. الراجل بأصله الطيب غسل خجلي، بس لسه الحساب مع أمي مقفلش، والوجع اللي في قلب مراتي محتاج أطمن عليه بنفسي أول ما توصل.
على الناحية التانية، كانت الزوجة في التاكسي، حاضنة شنط الأكل ودموعها مش مبطلة تنزل، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع لغبطة بين كسرة النفس اللي
وصلت بيت أهلها، وخبطت على الباب وهي بتترعش. أول ما الباب اتفتح، شافت وشوشهم اللي لسه مأثر فيها الإحراج والوجع. أخوها أحمد اتفاجئ بيها وبص للشنط اللي في إيدها وقال باستغراب
إيه ده يا حبيبتي؟ إيه اللي جابك في الوقت ده؟ وجايبة الأكل معاكي ليه؟!
دخلت الصالة، ولقت أبوها قاعد على الكنبة وحاطط راسه بين إيديه، وأمها بتدعي سجادة الصلاة وعينيها حمرا من العياط. حطت الشنط على التربيزة، وجريت على أبوها، اترمت في حضنه وبقت تبكي وتقول
حقكم عليا يا بابا.. حقك عليا يا أمي.. بهجت بيبوس إيديكم، وميرضاهوش إن لقمة عملتهالكم متتاكلش في بيتنا، قالي لمي الأكل وروحي لبيت أبوكي كلي معاهم معززة مكرمة، وقالي إن البيت ده بيتكم وخيركم مغرقنا.
أبو أحمد طبطب على كتف بنته وهو بيتنهد بارتياح، وقال لمراته وولاده ونبرة عزة النفس رجعت لصوته
أنا قولتلكوا يا جماعة.. بهجت راجل، وأنا معرفتش أنقي لبنتي غير راجل يصونها ويصنّا في غيابه.
امسحي دموعك يا بنتي، ويلا يا أم أحمد، هاتي الأطباق وغرفي الأكل اللي جوز بنتك باعتنا نأكله في بيتنا وعيننا مليانة.
وفي وسط لمة العيلة اللي رجعلها ضحكتها بفضل حكمة بهجت، رن موبايل الزوجة تاني.. فتحت الخط، وجاءها صوت بهجت الحنين والراسي
وصلتي يا حبيبتي؟ قوليلي، عمي أبو أحمد اتعشى ولا لسه؟ وعرفي أمي وإخواتك إن كرامتهم من كرامتي، والمرة الجاية أنا اللي هعملكم العزومة بنفسي لما أنزل إجازة.. اضحكي بقى وفكي الحزن ده، طول ما أنا عايش على وش