رجعت البيت وفي جيبي ورقة قيمتها مية مليون جنيه

لمحة نيوز


انتصر وكسرني.
أمه كانت جاية معاه، وأمي أنا كمان كانت جاية.. قال إيه عشان تساندني، أو يمكن عشان تتفرج على كسرتي وخراب بيتي، مكنتش قادرة أحدد نيتها بصراحة.
الإجراءات مأخدتش أكتر من تلت ساعة.. تلت ساعة كانت كفيلة تمسح تمن سنين جواز من الدفاتر والقانون.
المأذون بص في ورقنا وقال الطرفين موافقين على الطلاق بكامل إرادتهم ومن غير إجبار؟
راجح رد بسرعة والغل باين في صوته أيوا يا مولانا، موافق طبعاً.
أنا هزيت راسي وبس.
المأذون ختم الورق.. صوت الختم وهو بينزل على الورق كان عادي أوي، ملوش أي صدى، زي باب بيتقفل براحة.. خلاص، كل حاجة خلصت، مفيش مزيكا حزينة، مفيش عياط ودموع.. يدوب حبر على ورق وخلاص.
برة المكتب، راجح حط قسيمة الطلاق في الفايل بتاعه وبصلي وهو بيتبسم بشماتة يلا.. خدي بالك من نفسك.
أمي كانت واقفة جنبه، باصة لي بشفقة مصطنعة وقالت يا بنتي اطلعي بالمعروف، وراجح مش مقصر في حاجة، ده أنتي اللي مكنتيش ماليّة عينه.
أنا وقفت، نفضت هدومي بهدوء، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت راجح يستغرب ويقف مكانه.
قلت بصوت عالي وواضح، والهدوء بيملأ كل ركن في المكتب عندك حق يا راجح.. أنا فعلاً مكنتش مالية عينك، لأني كنت دايماً بحاول أعيش على قدك، عشان مكسرش عينك بفلوسي.
راجح ضحك بسخرية فلوسك؟ مرتبك اللي يدوب بيجيب خضار البيت؟
طلعت ورقة اللوتاري من شنطتي، ووريتها لهم ببطء. الورقة دي قيمتها مية مليون . كسبتها قبل ما أوصل البيت بليلة واحدة.
السكوت حل على المكان.. راجح كان عينه هتنط من مكانه، وأمي وشها بقى أصفر فجأة.
كملت كلامي وأنا ببص في عينيهم واحد واحد كنت ناوية أشارككم الخبر، وكنت فاكرة إنكم عيلتي اللي هتفرح لي.. بس ليلة ما وصلت،

وأنا واقفة عند الباب، سمعتكم بتوزعوا التعويض عليّ وعلى إخواتي، وسمعت أمي وهي بتبيعني، وسمعتك يا راجح وأنت بتطردني من بيتي.. فقلت لنفسي ليه أضيع نعمة ربنا على ناس باعتني بمليون ولا اتنين؟
راجح خطى خطوة ناحيتي، صوته كان بيرجف فريدة.. إحنا.. إحنا كنا بنهزر، إيه اللي بتقوليه ده؟
أمي قربت وهي بتمد إيدها عايزة تلمس كتفي يا بنتي، إحنا أهلك، إحنا مكنش قصدنا، ده كان اختبار ليكي يا حبيبتي..
بعدت عنهم خطوة، وضحكت ضحكة عالية، ضحكة مليانة حرية اختبار؟ تمام، أنا نجحت في الاختبار واكتشفت إنكم أفقر بكتير من إنكم تشتروا ضفري بفلوسكم دي. الورقة دي في جيبي دلوقتي، ومية مليون هيبدأوا رحلة جديدة من بكرة.. بس من غيركم.
أحمد وكريم، إخواتي اللي كانوا واقفين وراهم، بصلهم بصة احتقار.
بصيت لراجح للمرة الأخيرة وقلت الورقة اللي في إيدك دي يا راجح.. دي أغلى قسيمة طلاق اتعملت في تاريخ البلد، لأنها حررتني من جوز طماع، ومن عيلة باعت بنتها عشان قرشين و اعمل حسابك أن اول قضيه هرفعها هى حضانة ابنى 
طلعت من المكتب، وسبتهم ورايا في حالة من الذهول والانهيار. خرجت للشارع، الهواء كان طعمه مختلف، طعم الحرية اللي ملوش تمن.
ركبت عربية أجرة، وبصيت من الإزاز على الناس، ولقيتني بقول للسواق طلعني على المطار.. عايزة أروح مكان ما يعرفنيش فيه حد.
الحياة بدأت دلوقتي بس.
تلات شهور عدوا.. وإسكندرية بقت هي بيتي ومكاني، الشغل كان واكل يومي كله ومخليني مش بفضى. فلوس اللوتاري ملمستش منها مليم، كلها حطيتها في استثمارات مشغلاها شركة إدارة أموال خاصة وكبيرة، مشريتش قصر، ولا عربية فارهة، ولا شنط براندات.. الفلوس كانت قاعدة في البنك وبتزيد وبتكبر.
وفي يوم بالليل، جالي
تليفون من كريم أخويا الصغير.. كنت هقفل ومردش، بس قلت أشوف وراه إيه.
فريدة.. صوته كان متغير ومخنوق.
في إيه يا كريم؟ خير؟
أخد نفس طويل وراحت كل حاجة متبخرة ومنفجرة؛ شركته الناشئة اللي كان عاملها فلست وقفت، وفلوس التعويض بتاعة البيت اللي أخدها كلها طارت في الهوا بعد ما دخل بيها بورصة واستثمارات غلط واستلف عليها كمان، العربية الأودي البنك سحبها منه عشان الأقساط، وخطيبته سابته وفستخت الخطوبة لما عرفت إنه فلس.
فضلت ساكتة كذا ثانية ومش بنطق.. مش شماتة ولا فرحانة في مصيبته، بس افتكرت لما كان عيل صغير وبيجري ورايا في البيت، واليوم اللي عيط فيه عشان عيل في المدرسة سرق الساندوتش بتاعي أنا مش بتاعه هو.. الدنيا بتغير الناس، وترجع الأيام تلف وتغيرهم تاني.
سألته وعايزني أعملك إيه يا كريم؟
ولا حاجة يا فريدة.. أنا بس كان نفسي اسمع صوتك.
الكلمة دي هزتني وصدمتني أكتر من خبر إفلاسه وضياع فلوسه.. جملة بسيطة بس طلعت بجد.
وبعدها بشهر، أحمد كلمني.. حاله مكنش أحسن من كريم؛ استثماراته في العقارات وقعت في الأرض وعلاقته بخطيبته كانت بتموت وهو نفس اتهد وبقى باين عليه الكبر والتعب.
الغريبة إن مفيش حد فيهم طلب مني قرش واحد، ولا حتى تلميح.. يمكن لسه فيهم حتة كبرياء، أو يمكن حاسين بالذنب والكسوف مني.. جايز الاتنين مع بعض.
لحد ما جالي التليفون اللي كنت عارفة إنه هيجي عاجلاً أو آجلاً.. أمي.
فتحت الخط، وأول كام ثانية مكنش فيه غير صوت نفسها وهي بتنهج، وبعدين قالت أنتي طيبة وبخير يا فريدة؟
مسألتنيش أنتي فين؟، ولا هتيجي إمتى؟، ولا حتى مشيتي ليه؟.. سألت بس أنتي بخير؟
كنت قاعدة في مكتبي وبصة على أضواء العربيات في الشارع من ورا الإزاز، سؤال بسيط بس جه
متأخر عشر سنين كاملين..
أنا كويسة يا أمي وبخير.
سمعت صوت شهقة وعياط.. أمي كانت بتعيط، الست القوية اللي عمرها ما نزلت دمعة، حتى يوم جنازة أبويا مدمعتش!
قالت وهي بتشهق إخواتك حالهم واقف وتعبانين أوي يا بنتي...
غمضت عيني.. أهي رجعت تاني لعادتها القديمة، لسه مخلصتش؛ كل حاجة في الكون لازم تلف وتدور حوالين الصبيان وبس! فضلت ساكتة ومرديتش عليها.
فضلت مستنية ومستنية.. لحد ما سمعتها بتهمس بصوت مبحوح أنا كنت غلطانة يا فريدة.. أنا ظلمتك.
الكلمة كانت طالعة منها بصعوبة وكأنها بتدبحها.. وفضلت أنا برضه ساكتة، مش قسوة مني، بس فيه حقايق في الدنيا محتاجة مساحة وسكوت عشان تبان، والناس بتغلط لما بتجري تملا الفراغ بالكلام وخلاص.
أمي فضلت تتكلم وتفضفض.. سنين من الندم والذكريات والأعذار والاعترافات؛ كلام نصو يتفهم ونصو ملخبط، البني آدم لما بيقرر يقول الحقيقة فجأة بيبقى مكركب ومشوش.
ولما خلصت كلامها خالص، كل اللي قلتهولها أنا عارفة يا أمي.. ومزدتش كلمة تانية.
مرت شهور، وداخلين على سنة كاملة.. حياتي بقت مستقرة وهادية جداً. وفي يوم العصر، السكرتيرة خبطت على مكتبى وقالتلي يا فندم، في ناس برة عايزين يقابلوا حضرتك.
رفعت عيني وبصيت من الإزاز.. كانوا تلاتة واقفين برة أمي، وأحمد، وكريم.
محدش فيهم تحرك من مكانه لأول وهلة، وأمي عينيها كانت بتلف في المكتب؛ الحوائط الإزاز، لوجو الشركة الكبير، الموظفين اللي بيعدوا عليا ويسلموا باحترام.. الدور الإداري كله بتاعى.
ملامح الفهم والذهول بدأت ترتسم على وشها بالبطء؛ مش عشان شافت عز ولا غنى، عشان فهمت أخيراً إني قدرت أبني كيان واسم لوحدي.. من غيرهم، ومن غير ما أستنى إذن من حد، أو موافقة من مخلوق، ومن غير
ما أقعد في الركن أستنى حد يختارني.
بصتلي
 

تم نسخ الرابط