دخلت السجن سنتين
جبتوا السيرة دي لحد بابي.
قالت سماح بحدة يا ميادة، بلاش تبوظي العشا.
ابتسمت لها العشا باظ لما رشيتي السبرتو في وشي.
قالت بثقة كنت خايفة.. أنا حامل.
قلت فعلاً، أنتي بتبقي حامل دايما لما الحساب بيبدأ.
خبط يوسف على الطاولة خلاص! إحنا جينا عشان طلبتي نصفي النفوس.
فعلاً.
أومال إيه الدراما دي؟
نظرت للكرسي السادس عشان الضيف لسه ما وصلش.
رن الجرس في تلك اللحظة. دخل المحقق أحمد.
وقف والدي فوراً مين ده؟
قال المحقق ممكن أقعد؟
جلس في الكرسي السادس. سماح قبضت بيدها على بطنها، ويوسف حدق فيه بذهول، بينما انتشر الخوف في وجه أمي كالحبر في الماء.
وضعتُ يدي على الطاولة ده يا جماعة.. عشاء عائلي.
وضع المحقق ملفاً على الطاولة. وقف يوسف أنا ماشي.
قال المحقق بهدوء لا.. مش هتمشي.
فتح الملف يوسف المنياوي.. مطلوب تسجيل أقوالك بخصوص إعادة فتح المحضر رقم 21422، حادثة القتل الخطأ والهروب عند كوبري أكتوبر.
شهقت سماح، وبدأت أمي في البكاء فوراً لا يا فندم، أكيد في سوء تفاهم، القضية دي اتقفلت وبنتي قضت عقوبتها..
قلت ظُلماً.
نظر إليّ والدي بخوف حقيقي عملتي إيه يا ميادة؟
قلت عملت اللي طلبتوه مني.. حميت العيلة.
صاح يوسف انتي اتجننتي؟ انتي اللي اعترفتي!
كنت بكذب.
أخرج المحقق تسجيلات من هاتفي القديم يا أستاذ يوسف، انت اعترفت في كذا رسالة صوتية إنك كنت سايق.
قامت سماح بسرعة حتى اهتز الكرسي كدب.. فبركة!
نظر إليها المحقق وفي كمان فيديو مسترجع من فلاشة USB.
شحب وجهها تماماً. ولأول مرة، نسيت أن تمسك بطنها.
قلت لها فاكرة الفازة؟
انفتحت شفتاها بذهول انتي شوفتيني؟
أيوه.
تذكرت تلك الليلة، سماح في غرفتي القديمة قبل أن أسلم نفسي، تدفن شيئاً في طين الزرع والشك ينهش قلبي، لكن السجن علمني أن الجزء الذي يشعر بالخيانة فينا يعرف الحقيقة قبل أن يقبلها القلب.
التفت يوسف لسماح بصرخ فلاشة إيه؟
همست سماح كنت خايفة..
صرخ فلاشة إيه؟!
أجاب المحقق تصوير كاميرا سيارة تانية بتبين إنك خرجت من باب السواق بعد الحادثة.
ساد الصمت. أمي أصدرت صوتاً مخنوقاً، ووالدي جلس ببطء.
تحول وجه يوسف من الخوف للغل خبيتيها عليا؟ صرخ في سماح.
ردت عليه بصراخ خبيتها عشان كنت عارفة إن أختك ممكن في يوم تبطل تبقى غبية!
ضحكت.. لم أستطع التوقف.
قلت بصوت منخفض هي دي.. هي دي سماح الحقيقية.
التفتت إليّ بكره فاكرة نفسك بقيتي هانم عشان واحد غني أداكي قرشين؟ هتفضلي رد سجون، والمجتمع هيصدقنا إحنا مش هيصدقك أنتي.
دفع المحقق ورقة
انهارت ثقة سماح. توددت لي أمي يا ميادة، أرجوكي بلاش تعملي كدة، يوسف عنده طفل جاي.
قلت بجمود عامل الدليفري كان عنده أم مستنياه.
أخرجت صورة من حقيبتي لشاب يدعى إبراهيم، كان يوصل الطعام ليدفع مصاريف تمريض أخته. وضعتها في منتصف الطاولة ده الراجل اللي دخلت السجن بسببه.. ده اللي يوسف قتله.
لم ينظر للصورة إلا المحقق. عائلتي نظرت لمفرش المائدة؛ فالجبناء لا يستطيعون النظر في وجوه الموتى.
قال يوسف بصوت مكسور يا ميادة، كنت سكران.. كانت حادثة.
قلت الحادثة كانت قضاء وقدر.. لكن الكدبة كانت اختياركم.
بدأ يبكي.. ليس على إبراهيم، بل على نفسه أنا هموت في السجن.
قلت لي نفس الكلام من سنتين.
أنا أخوكي!
نظرت إليه طويلاً عارفة.. عشان كدة خدت سنتين زيادة عشان أفهم.
قال والدي بخشونة يا ميادة، اسحبي البلاغ.
نظرت إليه، لثانية تمنيت أن يقف ويلمس رأسي ويقول أنا آسف، لكن الآباء الذين يضحون ببناتهم من أجل أبنائهم نادراً ما يتوبون.
قلت لا.
تجمدت عيناه إذن انتي مش بنتي.
جملة كان يجب أن تكسرني، لكنها حررتني. ابتسمت شكراً إنك قلتها أخيراً.
بكت أمي يا ميادة يا بنتي، فكري في الطفل اللي في بطن سماح.
رفضت أتنازل تانى .
توقفت
هنا تحطم كل شيء. لم يكونوا عائلة، بل مجرمين يتشاجرون على من يرتدي ثوب البراءة.
وقف المحقق يوسف المنياوي، مطلوب للتحقيق، وسماح المنياوي، مطلوبة بتهمة إخفاء أدلة.
ارتمت أمي عند قدم المحقق يا بيه أبوس إيدك، ده ابني الوحيد!
نظرت إليها بفراغ لا يا أمي.. كان عندك طفلين، بس انتي عديتي واحد بس.
حاول يوسف الهجوم عليّ وهو يصرخ خربتي بيتي!، لكن المحقق سيطر عليه.
سماح تراجعت، والدي صرخ، وأمي ولولت. الأرز بلبن كان لا يزال على الطاولة، حلواً وأبيض كأنه نكتة سمجة.
بينما يسحبون يوسف للخارج، نظر إليّ وقال يا ميادة.. أرجوكي.
تلك الكلمة ميادة.. حرقت حياتي من أجلها مرة، وهذه المرة تركتها تموت داخلي.
أخذوهم جميعاً. والدي مشى خلفهم دون أن ينظر إليّ. بقيت أمي منهارة على الأرض.
وقفت فوقها، بدت عجوزة جداً ميادة.. هروح فين؟
أخرجت الخلخال الفضة من حقيبتي ووضعته بجانبها للطفل.. هو ملوش ذنب.
مشيت للباب. صرخت يا بنتي ما تسيبينيش!
توقفت لثانية. لمدة عامين كنت أريد أن تتوسل إليّ أمي لأبقى. الآن، بدا صوتها أصغر مما تخيلت.
أنا مش بسيبك يا أمي.. أنا بعمل اللي انتي علمتيهولي.
ثم أغلقت الباب
فهمت وقتها أن دخولي