كانت اختي تعيش في بيتي مجانا
رفعت عينيها نحوي بانزعاج.
وقالت
شتريد هسه؟
كانت الجملة تؤلمني أكثر من كاحلي.
أبو علي، الذي كان لا يزال منحنياً يفحص قدمي، التفت إليها كأنه لم يفهم ما سمع.
قال
أخوك مصاب ما طلب منك تسوين له شاي.
شبكت مريم ذراعيها أمام صدرها.
لا تدخل يا أبو علي. أنت ما تعرف شنو يصير هنا.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح.
لا يا مريم. هو يعرف. شاف الشي اللي أنتم ما حبيتوا تشوفوه.
أطفأ حيدر التلفاز أخيراً، لكن ليس لأنه اهتم.
أطفأه لأنه فهم أن هناك شاهداً.
قال وهو يعدل جلسته
شوف سامر، لا تكبر الموضوع. أنت وقعت. والإسعاف جاي بالطريق.
قلت
جاي لأن أبو علي اتصل بيهم.
نهض كرار بضيق.
أگدر أروح لغرفتي؟
غرفتي للضيوف.
بيتي.
إنترنتي.
سقفي.
نظرت إليه وشعرت بحزن غريب.
لم يكن الحزن عليه فقط، بل على الشيء الذي كان الكبار يعلمونه له.
أن يعيش الإنسان من تعب غيره، ويأكل من خيره، وينام تحت سقفه، ثم يتعامل معه كأنه عبء حين يحتاج إلى يد تمتد له.
قلت
لا. ابقَ. هذا الكلام لازم تسمعه أنت هم.
خطت مريم خطوة نحوي.
لا تحچي ويا ابني بهالطريقة.
قلت بهدوء
إذن علّميه أنتِ لا يظل ينظر إلى هاتفه وخاله مرمي تحت المطر.
فتحت فمها لترد.
ثم أغلقته.
خارج البيت، كان المطر لا يزال يضرب عتبة الباب بقوة.
تسلل الماء من تحت الباب، وسحب معه قطعة صغيرة من قشر البيض، كأن البيت
وضع أبو علي منشفة تحت كاحلي.
قال بصوت منخفض
سامر، ما أحب أتدخل بينك وبين أهلك، بس الورم مو طبيعي.
هززت رأسي.
كان الألم ينبض حتى صدغي.
كنت أشعر أن الحذاء يضغط على قدمي مثل فخ.
قلت
شيله.
نظر أبو علي إلى مريم.
عندكم مقص؟
لم تتحرك.
ولا حيدر تحرك.
شد أبو علي فكه، ثم ذهب بنفسه إلى المطبخ.
فتح الأدراج حتى وجد مقص المطبخ.
قص رباط الحذاء.
ثم بدأ يخلعه بحذر.
صرخت.
لم أستطع أن أمنع نفسي.
تأوهت مريم بضيق وقالت
يا الله
وهنا انتهى كل شيء.
لم ينتهِ بصراخ.
ولا بكلمة قاسية.
انتهى داخلي بهدوء، مثل باب يُغلق دون أن يرتطم، لكنه لا يُفتح مرة أخرى.
قلت
عندكم خمس دقائق.
قطّب حيدر حاجبيه.
خمس دقائق على شنو؟
قلت
حتى تفهمون أن هذا البيت ما عاد ملجأ لناكرين الجميل.
ضحكت مريم بتوتر.
يعني راح تطردنا لأننا ما حملناك مثل الملك؟
ظل أبو علي ساكناً.
أما أنا فرفعت عيني إلى أختي.
قلت
لا. راح أطلعكم لأنكم عشتوا هنا ثمانية أشهر بلا إيجار، واليوم لما شفتوني على الأرض، كان الحليب المسكوب أهم عندكم من رجلي المكسورة.
قال حيدر
مو مكسورة.
قلت
إذن امشِ أنت عليها.
لم يتكلم أحد.
أخرجت هاتفي مرة أخرى.
كانت يداي ترتجفان من الألم، لكنني استطعت أن أفتح تطبيق الملاحظات.
كانت هناك قائمة.
لم أكتبها تلك الليلة.
بدأت بكتابتها قبل ثلاثة أشهر، في فجر يوم رأيت فيه حيدر يستخدم بطاقتي ليطلب طعاماً من مطعم، ثم يقول بعدها أگلك.
قرأت بصوت واضح
إيجار صفر. كهرباء ثمانية أشهر. ماء ثمانية أشهر. غاز ثمانية أشهر. إنترنت ثمانية أشهر. أكل أسبوعي. أدوية كرار لما مرض. تأمين سيارة حيدر، دفعتين. تصليح الشاشة اللي كسروها. غسالة جديدة لأنهم حملوها فوق طاقتها.
المجموع التقريبي أكثر من سبعة ملايين دينار عراقي، بين مصاريف البيت والفواتير والطعام والتصليحات، وهذا غير القسط الشهري الذي كنت أدفعه وحدي.
اصفرّ وجه مريم.
قالت
كنت تحسب علينا؟
قلت
نعم.
قالت
مريض.
قلت
لا يا أختي. المرض أن تنادي صاحب البيت خادم وهو مرمي على عتبة بيته.
تنفس حيدر بضيق.
شوف، أنا أفهم أنك متألم، بس هذا البيت صار بيتنا هم.
قلت كلمة واحدة
لا.
خرجت الكلمة جافة.
ثم أكملت
هذا بيتي وأنتم ساكنون فيه. وهذه ليست نفس الشيء.
نظر كرار إلى أبيه.
ربما كانت أول مرة يسمع فيها الفرق.
تأخر الإسعاف عشرين دقيقة.
في بغداد، حين يهطل المطر بقوة، تتحول الشوارع إلى برك طويلة، وتبدو إشارات المرور كأنها تعبت من الانتظار. تلك الليلة كان الحي كله يصدر صوت الماء وهو يجري قرب الأرصفة، وإطارات السيارات وهي تشق الوحل، وكلاب تنبح من خلف أبواب البيوت المبللة.
وصل المسعفون وهم مبتلون.
رفعوني
سأل أحدهم
منو يرافقه؟
خفضت مريم عينيها.
حك حيدر ذقنه.
قالت مريم
أنا لازم أبقى يم الولد.
كان كرار في الخامسة عشرة.
أخذ أبو علي محفظتي ومفاتيحي.
قال
أنا أروح وياه.
نظرت إلى أختي من فوق النقالة.
قلت
باچر الساعة تسعة تجي المحامية.
أطلقت مريم ضحكة مصطنعة.
محامية؟ سامر، أنت صرت مضحك.
قلت
وأنتِ صرتِ مُبلّغة.
حين أغلقوا باب الإسعاف، لمحت مريم واقفة تحت إطار بابي.
جافة.
دافئة.
مرتاحة.
أما أنا فكنت مبللاً، أرتجف، وكاحلي مكسور.
لكن للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، كنت أنا الذي أغادر بكرامة.
في الطوارئ أكدوا الكسر.
لم يكن التواءً.
كان كسراً.
ثبتوا ساقي، أعطوني مسكنات، وتركوني تحت المراقبة.
بقي أبو علي معي حتى الثالثة فجراً، جالساً على كرسي بلاستيكي، يشرب قهوة من ماكينة المستشفى، ويرد على رسائل زوجته.
قلت له
آسف لأنني أدخلتك بهذا كله.
قال
أخي، شيء اسمه عائلة، وشيء اسمه استغلال لابس اسم العائلة.
نظرت إلى سقف المستشفى الأبيض.
قلت
أنا اللي خليتهم يدخلون.
قال
نعم. بس أنت ما خليتهم يدوسون عليك.
لم أرد.
لأن الحقيقة أنني فعلت.
قليلاً كل يوم.
عند الصباح، أعادني أبو علي إلى البيت.
قاد السيارة ببطء في شوارع ما زالت مبتلة، نمر قرب محال صغيرة تفتح أبوابها المعدنية، وباعة الشاي والكاهي يجهزون صباحهم، ورائحة الخبز
حين وصلنا، رأيت من السيارة أن حيدر وضع صناديق على عتبة البيت.
ليس ليغادر.
بل ليغلق