خالي هو اللي رباني
خالي هو اللي رباني بعد ما أبويا وأمي اتوفوا.. وبعد جنازته، استلمت جواب بخط إيده بدأ بجملة واحدة شقلبت حياتي: "أنا كذبت عليكي طول عمرك، ومقدرش آخد السر ده معايا القبر."…….
الحقيقة اللي استخبت سنين
أنا اسمي "هنا"، عندي 26 سنة، وممشيتش على رجلي من وأنا عندي 4 سنين.. الناس لما بتشوفني بكرسي متحرك بتفتكر إن دي كانت بدايتي، بس أنا فاكرة إن كان فيه "قبل كده".
أنا مش فاكرة الحادثة.. بس فاكرة إن ماما "ليلى" كان صوتها عالي وهي بتغني في المطبخ، وبابا "محمود" كانت ريحته دايما لبان بالنعناع.. ….
و كان عندي جزمة بتنور، وكوباية موف بكلمها، وشخصية عنيدة جداً.
بعد الحادثة، الحكاية اللي الكل قالهالي هي: "حصلت حادثة، أهلك ماتوا، إنتي عشتي بس ضهرك اتصاب."
لما كنت في المستشفى، الحكومة كانت بتدور لي على "دار رعاية" مناسبة، وفجأة دخل خالي "رأفت".. أخو أمي.
رأفت كان راجل "دبش"، ملامحه قاسية ويده خشنة وعمره ما ضحك.. الموظفة قالت له: "إحنا هنلاقي لها بيت مناسب وناس بتفهم في حالتها.."
رأفت قاطعها بكلمة واحدة: "لا.. أنا هاخدها، مش هرميها لغريب، دي بنتي."
بعدها على طول خدني بيته الصغير اللي ريحته دايما قهوة..
نقلت حياتى كلها عنده ، هو مكنش عنده عيال، ولا متجوز، ولا بيفهم أي حاجة في التربية.. بس اتعلم كل حاجه عشانى…
كان بيراقب الممرضات وبيكتب وراهم في نوتة قديمة: إزاي يقلبني من غير ما يأذيني، إزاي يشيلني وهو محسسني إني غالية وفي
أول ليلة في البيت قضيتها معاه ، كان بيظبط المنبه كل ساعتين عشان يطمن عليا ويقلبني وهو عينه مش قادرة تفتح ويقولي: "يلا يا ست البنات.. وقت البان كيك."
كان طول الوقت عايز مصلحتى بيحارب شركات التأمين في التليفون ويزعق: "يعني إيه تمشي حالها من غير كرسي حمام؟ تعال قول لها الكلمتين دول في وشها لو تقدر!"
عملي مطلع خشب "رامب" عند الباب عشان الكرسي.. مكنش شكله حلو، بس كان شغال.. كان بياخدني الجنينة، والناس تبص بشفقة، وهو يبص لهم بحدة ويخليهم يديروا وشهم……..
ولما "زينة" (أول صاحبة ليا) سألتني ببراءة: "إنتي ليه مش بتمشي؟"رد عليها ..
أنا اتجمدت.. بس خالي وطى لمستواها وقالها: "رجليها مش بتسمع كلام مخها.. بس هي تقدر تغلبك في الكوتشينة."
لما كبرت وبقيت مراهقة، كان بيدخل عليا بوش أحمر وكيس فيه (فوط صحية ومسكرا ومزيل عرق) ويحطهم ويبص للسقف ويقول: "أنا اشتريت حاجات.. عشان لو حصل حاجة.."
ضحكت وقلت له: "إنت اتفرجت على فيديوهات يوتيوب يا خالو؟"
رد بضيق: "البنات اللي هناك بيتكلموا بسرعة أوي!"
مكنش معانا فلوس كتير، بس عمري ما حسيت إني حمل عليه.. كان بيغسل لي شعري في حوض المطبخ وهو ساند رقبتي بإيد وبيدلق الميه بالإيد التانية ويهمس: "متقلقيش.. أنا معاكي."
ولما كنت بعيط عشان مش هعرف أرقص أو أقف وسط الناس، كان يمسك إيدي ويقول بصوت قوي: "إنتي مش قليلة.. سامعة؟ إنتي مش أقل من حد."
لما
لما سألته هيعيش قد إيه، هز كتافه وقال: "الدكاترة قالوا أرقام.. وأنا مسمعتش."
ليلة وفاته، طلب من الكل يخرج.. دخل أوضتي وسحب الكرسي وقعد جنبي.. خد إيدي وقال: "إنتي عارفة إنك أحسن حاجة حصلت لي في دنيتي؟"
قلت له وأنا بعيط: "أنا خايفة.. هعمل إيه من غيرك؟"
رد وهو عينه بتلمع: "هتعيشي يا هنا.. لازم تعيشي."
قبل ما يمشي، باس راسي وقال: "أنا أسف.. على حاجات كان لازم أقولها لك."
تاني يوم الصبح.. مات وبقيت لوحدى…..
و بعد الجنازة، جارتنا "أم أحمد" (طنط باتيل في القصة) جاتلي ومعاها جواب.. قالت لي: "خالك طلب مني أديكي ده.. وقالي أقولك إنه أسف.. وأنا كمان أسفة."
فتحت الجواب وإيدي بتترعش.. وقريت:
"يا هنا.. أنا كذبت عليكي طول عمرك.. الحكاية مش زي ما إنتي عارفاها.. ليلة الحادثة، أهلك مكنوش مسافرين عادي.. هما كانوا جايين يرموكي عندي ويمشوا.. قالوا لي إنهم "زهقوا" وعايزين بداية جديدة من غيرك.. أنا اتجننت، وشتمت أبوكي وقلت له إنه جبان وأمك أنانية."
"أنا كنت عارف إن أبوكي شارب.. وشفت القزازة في العربية.. كان ممكن أخد المفاتيح، كان ممكن أطلب تاكسي، كان ممكن أخليهم يباتوا ويهدوا.. بس أنا مأخدتش المفاتيح.. سبتهم يمشوا وهما عميان من الغضب عشان كنت عايز أحس إني انتصرت في الخناقة.. وبعدها
بـ 20 دقيقة، الشرطة كلمتني."
خالي كتب إنه أول ما شافني في المستشفى، كان بيشوفني "عقاب" ليه.. عقاب على كبريائه وعصبيته.. وإنه كان ساعات بيحقد عليا في الأول، مش بسببي، بس عشان أنا كنت "الدليل" الحي على غلطته اللي دمرت حياتي.
وكتب عن الفلوس.. طلع إنه مكنش بيشحت.. ده كان شايل فلوس تأمين أهلي باسمه عشان الحكومة متخدهاش، وكان بيشتغل ورديات إضافية وتعب وشقى طول السنين دي عشان يعملي "صندوق استئماني" (Trust fund).. وباع البيت كمان عشان يسيب لي مبلغ أعمل بيه علاج طبيعي بجد وأجيب أحسن أجهزة.
ختم الجواب بـ: "لو قدرتي تسامحيني، اعملي كده عشانك إنتي.. عشان متعشيش مع شبحي.. أنا حبيتك بكل فشلي.. ودايما هحبك.. خالك رأفت."
البداية من جديد
قعدت أعيط لحد ما وشي وجعني.. كنت محتارة، هل أكرهه لأنه كان سبب في شللي؟ ولا أحبه لأنه هو اللي شالني لما الكل رماني؟
بعد شهر، روحت مركز تأهيل محترم.. الدكتور قال لي: "الموضوع هياخد وقت وهيكون صعب جداً."
قلت له: "أنا عارفة.. فيه حد تعب أوي عشان يوصلني لهنا.. مش هضيع تعبه."
الأسبوع اللي فات، ولأول مرة من وأنا عندي 4 سنين.. وقفت على رجلي لثواني بمساعدة الأجهزة.. كنت بترعش وبعيط.. بس كنت واقفة.
سمعت صوته في ودني بيقول: "هتعيشي يا ست البنات.. سامعة؟"
هل سامحته؟ ساعات بقول لأ لما بفتكر الجواب.. وساعات بفتكر إيده وهي بتسند راسي وبتحاول تضفر لي شعري، وبحس إني سامحته من زمان أوي ومن غير ما أعرف.
هو مقدرش
هو شالني لحد ما قدر.. والباقي عليا أنا.