اخي كان يأخذ والدي المصاب بالخرف
ماذا يحدث هنا؟
كررها حيدر، لكن صوته هذه المرة لم يخرج كما كان.
لم يرد عليه مدير المصرف مباشرة. نظر إلى الموظف خلف الشباك وقال بحزم
أرجع المبلغ إلى الصندوق. الحساب يُجمّد من الآن لأي حركة غير مصرّح بها.
أطلق حيدر ضحكة جافة.
يُجمّد؟ ومن أعطاكم الحق؟ هذا أبي. أنا جلبته. وهو يريد أن يسحب.
رفع أبي وجهه، مرتبكًا من كثرة الأصوات حوله. كانت هناك فتات بسكويت صغيرة عالقة عند طرف فمه، وأصابعه مشدودة على مسند الكرسي المتحرك.
هل سنذهب إلى المحطة؟
سألها ببراءة.
لم يضحك أحد.
وكان ذلك الصمت أقسى من أي صراخ.
أخرجت الورقة من حقيبتي.
لم أفعل ذلك بغضب.
فعلته ببطء، كأنني أرفع شاهدًا على كل ما جرى.
أنا أعطيت الحق.
قلت.
منذ أمس، أنا الوصية القانونية على والدي في قراراته الصحية والمالية.
نظر حيدر إلى الورقة من دون أن يلمسها.
أنتِ دائمًا تبالغين يا سعاد.
لا. المبالغة كانت أن تتركه بلا حفاضات. المبالغة كانت أن تأخذ مال الأوكسجين. المبالغة كانت أن تقول لي الرجل لم يعد يدرك شيئًا أصلًا.
اقترب الشرطي الأطول ووقف بجانبه.
أستاذ، نحتاج أن ترافقنا.
احمرّ وجه حيدر.
أرافقكم؟ لماذا؟ لأني جلبت أبي إلى المصرف؟ أصبح هذا جريمة الآن؟
تحدث مدير المصرف حينها، بذلك الهدوء البارد الذي يستخدمه الرجال عندما لا يعودون
لدينا تقارير عن سحوبات متكررة تمت بوجود رجل كبير في السن لديه تشخيص طبي بتدهور إدراكي. ولدينا نسخة من التقرير الطبي وإشعار الوصاية. عملية اليوم ستُسجّل كمحاولة تصرف غير مشروع بأموال شخص غير قادر على إدارة ماله.
نظر إليّ حيدر بحقد.
ليس بخوف.
بحقد.
كأنني أنا التي أسرقه.
أنتِ ناكرة للجميل.
قالها وهو يرميني بنظرة قاسية.
أنا أيضًا عندي مشاكل.
كلنا عندنا مشاكل يا حيدر. لكن ليس كلنا نستخدم يد أبينا المرتجفة لندفع ثمنها.
ابتسم أبي عندما رآني. مدّ يده نحوي.
يمّه، قولي للمسؤول لا يخصم من راتبي. لم أتأخر. الباص وقف بالطريق.
شعرت أن المصرف كله ينهار فوق صدري.
احتضنته من خلف الكرسي.
رتبت له سترته، زرًا بعد زر، كأن إصلاح تلك القطعة القماشية يمكن أن يصلح كل شيء آخر.
لن يخصموا منك شيئًا يا أبي.
همست له.
أنت تعبت بما يكفي.
حاول حيدر أن يخطو نحونا، لكن الشرطي وضع يده أمام صدره.
لا تقترب.
هذه عائلتي!
وكانت عائلتي أيضًا عندما تركته بلا دواء.
بدأ الناس في الطابور يتهامسون. امرأة كبيرة شدّت عصاها على الأرض. رجل مسنّ وضع يده على صدره بحسرة. الموظف خلف الشباك أنزل نظره بحرج، بعدما أعاد النقود إلى مكانها.
ظننت في تلك اللحظة أن حيدر سيبكي.
لكن حيدر لم يكن يبكي حين يجب أن يبكي.
قال بصوت منخفض
اسمعي
الفضيحة صنعتها أنت كل شهر.
أعطيكِ جزءًا.
ضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأن الجسد أحيانًا لا يعرف كيف يتعامل مع هذا القدر من القرف.
جزء من ماذا؟ من حفاضاته؟ من قطراته؟ من أكله؟ من السنوات التي لم ترعه فيها؟
طلب مدير المصرف أن ندخل إلى المكتب.
أخذ الشرطيان حيدر جانبًا، من دون أن يضعا القيود في يديه بعد، لكن أعينهما كانت تراقب حركته.
دفعت كرسي أبي.
وأثناء مرورنا داخل المصرف، كان ينظر إلى اللوحات، والكراسي، والأرض اللامعة.
هذه ليست المحطة.
تمتم.
لا يا أبي. لكننا سنخرج بعد قليل.
داخل المكتب، شرح لي المدير أن المصرف سيرفع تقريرًا داخليًا، وأن عليّ مراجعة الجهات المختصة بالوثائق. وقال أيضًا إنه بسبب حالة أبي، من المهم إبلاغ الجهة المعنية بحماية كبار السن ومنع استغلالهم.
كنت أهز رأسي من دون أن أشعر به.
قضيت أشهرًا أجمع الأوراق، لكن لا أحد يهيئك للحظة التي تتحول فيها تلك الأوراق إلى جدار بين أبيك وابنه.
كان حيدر جالسًا أمامي، يضرب الأرض بكعب حذائه.
قال فجأة
انظري كيف أصبح. لعابه على فمه. ضائع بالكامل. وبعد كل هذا تريدين أن تجعليني أبدو وحشًا؟
رفعت عيني إليه.
لم أحتج أن أجعلك تبدو شيئًا. أنت أتيت وحدك.
طلب الشرطي بياناته.
رفض حيدر في البداية.
ثم أخرج محفظته بغيظ، وكأنه ما زال يتفضل علينا.
وبين هوياته سقطت ورقة مطوية.
رأيتها قبل أن يلتقطها.
كانت وصلًا من محل رهن في بغداد.
وكان اسم أبي مكتوبًا عليها.
لم أفهم فورًا.
ثم شعرت أن الدم هبط إلى قدمي.
ماذا رهنت؟
سألته.
خبأ حيدر الورقة بسرعة.
لا شيء.
ماذا رهنت يا حيدر؟
أبي، الذي كان حتى تلك اللحظة يلعب بطرف الصورة التي وضعتها على المكتب، رفع وجهه فجأة.
ساعتي لا.
سكت الجميع.
أي ساعة يا أبي؟
نظر إلى معصمه الفارغ.
ساعة الخدمة. التي أعطوني إياها عندما أكملت ثلاثين سنة في الدوام. لا تضيعيها يا أم جاسم. هذه لحيدر.
اصفرّ وجه حيدر.
كانت تلك الضربة الثانية.
ساعة أبي.
تلك الساعة ذات الغطاء المعدني، المحفور على ظهرها اسمه، التي كان يحتفظ بها ملفوفة بمنديل بين أوراقه القديمة. الساعة التي ظننت أنه أضاعها في إحدى نوبات نسيانه. الساعة التي كان ينظفها كل يوم جمعة وهو يحكي لنا عن أيام العمل، والبرد، والتعب، والطريق الطويل.
حيدر رهنها.
لم أستطع الكلام.
الغضب صار شيئًا أصلب.
شيئًا لم يعد يحرق.
قلت
هذا أيضًا سنضعه في الشكوى.
نهض حيدر بعنف.
كانت لي! هو قال إنها لي!
انكمش أبي في كرسيه.
وهذا المشهد أنهاني.
لم يكن المال.
ولا الساعة.
بل رؤية الحاج جاسم، الرجل الذي كان يومًا يحمل أكياس الطحين الثقيلة
أمره الشرطي بالجلوس.
شدّ حيدر على أسنانه،