كبلني ابن خالتي بالأصفاد

لمحة نيوز

اختفى اللون من وجه سيف.
وبدت الأصفاد فجأة أثقل كثيرًا بين يديه.
لثوانٍ طويلة...
لم يتحرك أحد.
كان صوت الهواء بين الأشجار يمر خافتًا، والدخان ما زال ينساب فوق الحديقة، وكل فرد من أفراد عائلتي كان يحدق في العميد حيدر الساعدي وكأنه خرج من ملف سري ودخل فجأة إلى تجمعنا العائلي.
قال سيف بصوت ضعيف
مسؤولة سيادية؟
لم يرمش حيدر.
قال مرة أخرى، وكل كلمة تخرج منه حادة ومحسوبة
بتكليف مباشر من أعلى سلطة في الدولة. أزل الأصفاد فورًا.
نظر سيف نحو عنصر الشرطة الواقف قرب البوابة، كأنه يستجديه أن يتدخل وينقذه من هذا الموقف.
تحرك عنصر الشرطة في مكانه بتوتر واضح. كان يعرف سيف منذ سنوات، لكنه في الوقت نفسه كان يعرف جيدًا معنى أن يقف أمامه رجل يحمل هذه الرتبة وهذه الهيبة وهذا الملف المختوم.
سأل بحذر
ممكن نفهم ما الذي يحدث هنا بالضبط؟
مدّ العميد حيدر الملف إليه.
فتحه عنصر الشرطة.
وتغيّر وجهه فورًا.
في البداية ارتباك.
ثم عدم تصديق.
ثم خوف واضح.
رفع عينيه نحوي بعد ذلك بنظرة مختلفة.
لم يعد ينظر إليّ كقريبة للعائلة.
ولا كامرأة عائدة من عمل غامض كان الجميع يسخر منه.
بل كأنني شخص لا يجب أن يقترب منه أحد دون إذن.
ابتلع ريقه وقال بهدوء
سيف... افتح الأصفاد.
حدق فيه سيف بذهول.
هل تتكلم بجد؟
قال عنصر الشرطة بصوت أخفض
هذا أمر.
ارتجفت يداه قليلًا وهو يفتح الأصفاد عن معصميّ.
انفتح القفل المعدني

بصوت قصير.
فركت آثار الضغط الحمراء على يديّ ببطء، ولم أقل شيئًا.
وأخيرًا وجدت جدتي صوتها.
همست
زهراء... ما هذا كله؟
نظرت إليها.
المرأة العجوز التي قضت سنوات تخبر الناس أنني تغيّرت بعد خدمتي، وأنني لم أعد طبيعية، وأنني أحتاج إلى الدعاء أكثر مما أحتاج إلى الصمت.
المرأة التي قدّمتني مرة أمام الجارات بعبارة
هذه زهراء... ابنتنا المتعبة منذ رجعت من عملها.
والآن...
كانت تنظر إليّ بخوف، كأنها لا تعرف إن كان من الآمن أن تقف بالقرب مني.
أغلق حيدر الملف.
وقال بهدوء محترم
مع الاحترام، الحاجة... سيادة اللواء زهراء الكرخي تشغل واحدة من أعلى الصلاحيات العملياتية السرية في الدولة.
شهقت أمي.
همست
لا... مستحيل.
كادت ضحكة مريرة تخرج مني.
مستحيل.
هذه الكلمة لاحقتني طوال عمري.
مستحيل أن تنجح فتاة مثل زهراء في هذا الطريق.
مستحيل أن تصل امرأة من عائلتنا إلى منصب كهذا.
مستحيل أن تختفي شهورًا وتعود دون أن تشرح.
مستحيل أن تكون كل تلك السنوات التي ظنوها صمتًا وضعفًا... كانت شيئًا أكبر من قدرتهم على الفهم.
لكن المستحيل يحدث كل يوم.
خصوصًا في الأماكن التي لا ينظر إليها أحد.
تراجع سيف خطوة إلى الخلف وقال بعصبية
أنتم تكذبون. هي لا شيء. هي...
قاطعه حيدر بصوت منخفض
انتبه لكلامك.
كان انخفاض صوته أخطر من الصراخ.
لأن رجالًا مثل حيدر لا يرفعون أصواتهم عندما يشتد الخطر.
بل يخفضونها.
وشعر سيف
بذلك أيضًا.
زاد التوتر في الحديقة.
وضع خالي ملقط الشواء ببطء فوق الطاولة.
وتوقف أبناء خالتي عن التصوير بهواتفهم.
حتى الأطفال ظلوا صامتين قرب الأرجوحة.
ولأول مرة في حياتي...
لم يجد أحد نكتة يطلقها عليّ.
التفت حيدر نحوي.
وقال بهدوء
سيدتي... يجب أن نغادر خلال عشرين دقيقة.
أومأت مرة واحدة.
مفهوم.
تقدمت أمي فجأة.
نغادر؟ لا. مستحيل. أحدكم يشرح لنا ماذا يحدث.
بقي حيدر ثابتًا في مكانه.
لست مخولًا بالحديث عن تفاصيل عملياتية.
صرخت أمي
أي تفاصيل عملياتية؟
نظرت إلى وجهها المتعب.
الوجه نفسه الذي بكى عندما وقع أخي في مشكلة، لكنه بالكاد احتضنني عندما عدت من مهماتي الطويلة.
قلت لها
هل لم تتساءلي يومًا أين كنت أختفي؟
ضمّت ذراعيها إلى صدرها بسرعة، وكأنها تستعد للدفاع عن نفسها.
كنتِ تقولين دائمًا إن عملك سري.
قلت بهدوء
لأنه كان سريًا فعلًا.
قالت بسخرية متوترة
زهراء... أنتِ كنتِ موظفة إدارية.
ابتسم حيدر ابتسامة خفيفة جدًا عند هذه الجملة.
لاحظت أن سيف صار يراقب الحديث بعناية.
كانت ثقته تتشقق.
وتحتها بدأ يظهر شيء أبشع.
الخوف.
ليس خوفًا من الدولة فقط.
بل خوفًا من فقدان السيطرة.
لأن أشخاصًا مثل سيف يعيشون على اختيار هدف لا يدافع عنه أحد.
ولسنوات طويلة...
كنت أنا الهدف الأسهل في العائلة.
القريبة الغريبة.
المطلقة الصامتة.
المرأة التي تجلس بهدوء في المناسبات ثم تغادر قبل نهاية السهرة.

لم يتخيل يومًا أن صمتي كان له أسباب.
نظر حيدر إلى ساعته.
يجب أن نتحرك قريبًا، سيدتي.
قالت جدتي بقلق
نتحرك إلى أين؟
نظرت نحو السيارة الحكومية السوداء الواقفة قرب البوابة.
كانت هناك سيارة أخرى قد توقفت بهدوء في الطريق.
ثم ثالثة.
زجاج داكن.
لوحات حكومية.
كان الأمر يتوسع.
وهذا يعني أن شيئًا ما حدث.
شيئًا خطيرًا جدًا.
شعرت بذلك فورًا.
لاحظ حيدر ملامحي.
اقترب قليلًا وقال بحذر
اعترضنا اتصالًا قبل ساعة.
انتبهت فورًا.
أي نوع من الاتصال؟
قال بصوت منخفض
اختراق داخلي.
تصلب جسدي بالكامل.
اختفت الحديقة من حولي للحظة.
الدخان.
الحرارة.
الأصوات.
كل شيء تراجع أمام احتمال واحد مرعب.
اختراق يعني أسماء.
مواقع.
مصادر.
أشخاصًا قد لا يعودون أبدًا.
خفض حيدر صوته أكثر.
ربما تم كشف مشروع أثينا.
برد الدم في عروقي.
أثينا.
أكثر مبادرة استخبارية سرية تعمل ضمن تنسيق أمني عالي المستوى.
المشروع الذي قضيت سبع سنوات في بنائه.
المشروع الذي لم تعرف عائلتي أصلًا بوجوده.
نظرت أمي بيننا بحيرة.
ماذا يعني هذا؟
قلت بهدوء
يعني أن هذا التجمع العائلي تحوّل للتو إلى قضية أمن دولة.
لم يتكلم أحد.
ثم ضحك سيف مرة أخرى.
لكن ضحكته هذه المرة كانت يائسة.
قال بصوت مرتفع
هذا جنون. تريدون منا أن نصدق أنها مسؤولة سرية تدير عمليات كبرى؟
نظرت إليه مباشرة.
أنت كبّلت قائدة ميدانية مكرّمة أمام شهود رسميين.
ارتعش وجهه.

أنتِ تخادعين.
قلت
هل أنا كذلك؟
مدّ حيدر يده إلى الملف مرة أخرى، وأخرج صورة.
أعطاها مباشرة لسيف.
حدق سيف فيها.
ثم اختفى اللون من وجهه بالكامل.
لأن
 

تم نسخ الرابط