قبل عيد ميلاد بنتي بأسبوع
إحنا عندنا التزامات.
لأول مرة من سنين
ما جريتوش أحل المشكلة.
بعد أسبوعين، أحمد جوزها اتصل.
الحقيقة إحنا كنا معتمدين على المبلغ ده.
ضحكت بمرارة.
معتمدين عليه؟
طب وعلى صاحبته؟
مين كان معتمد عليها؟
بعد شهر وصلني خطاب من المحامي إن كل شيء اتنظم.
شقتي.
مدخراتي.
تأميني.
وجزء كبير من فلوسي راح لمؤسسة بتساعد طلاب التمريض المحتاجين.
الناس اللي لسه عندها أحلام.
ولسه بتقول شكرًا.
وبعدين كتبت جواب.
جواب واحد بس.
وحطيته في ظرف.
وكتبت عليه
يتفتح بعد رحيلي.
مرت شهور.
ولأول مرة من أربعين سنة
بدأت أعيش.
سافرت إسكندرية أسبوع.
اشتركت في نادي قراءة.
صاحبت ناس جديدة.
اشتريت لنفسي هدية في عيد ميلادي.
حاجات بسيطة
بس كانت أول مرة أعملها لنفسي.
وفي يوم
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت ريم.
واقفة لوحدها.
وشها مرهق.
وشعرها مش مرتب.
وعينيها حمرا.
فضلت واقفة ثواني.
ثم قالت
ماما.
أول مرة تنطقها بحنية من شهور.
لكن حاجة جوايا كانت اتغيرت.
مش كره.
ولا انتقام.
بس وجع قديم اتعلم يحمي نفسه.
دخلت.
قعدت.
وبعدين انهارت.
إحنا في أزمة.
سكت.
أحمد خسر شغله.
سكت أكتر.
والبيت متعثر.
وبعدين بصتلي وقالت
محتجاكي.
هنا بس فهمت.
مش كانت محتاجة
كانت محتاجة المنقذ القديم.
الشيك المفتوح.
الحل السريع.
فبصيتلها بهدوء وسألت
ولو أحمد ما خسرش شغله كنتِ جيتي؟
سكتت.
والسكوت جاوب.
دموعها نزلت.
لكن المرة دي أنا ما جريتوش أمسحها.
لأن بعض الدروس لازم توجع.
قامت تمشي.
وعند الباب وقفت.
وقالت بصوت مكسور
أنا غلطت.
بصيتلها طويل.
وشفت لأول مرة بنتي الحقيقية
مش الست المتعالية.
ولا الشخص اللي متعود ياخد.
بس بنت تايهة.
قلت بهدوء
عارفة أكتر جملة وجعتني في حياتي؟
نزلت عينها للأرض.
أكيد كانت فاكرة.
أحسن هدية إنك تموتي.
عيطت.
وأنا كملت
يومها فعلًا متّ.
مسكت مقبض الباب.
مش جسمي.
حطيت إيدي على قلبي.
الجزء اللي كان مستعد يضحي بنفسه كلها من غير حدود.
خرجت ريم وهي بتبكي.
وأقفلت الباب.
لكن لأول مرة
ماحسيتش إني خسرت بنتي.
حسيت إني أخيرًا لقيت نفسي.
وبعد شهور طويلة
وصلني جواب صغير منها.
ماكانش فيه طلبات.
ولا فلوس.
ولا مشاكل.
كان فيه سطر واحد بس
أنا أخيرًا فهمت إن أسوأ شيء مش إني أخسرك بعد ما تموتي أسوأ شيء إني خسرتك وإنتِ لسه عايشة.
وقتها فقط
بكيت.
قريت الجواب أكتر من مرة.
مرة وأنا واقفة في المطبخ.
ومرة قبل النوم.
ومرة وأنا قاعدة في البلكونة بشرب الشاي
كل مرة كنت أوصل للسطر الأخير
قلبي يوجع بنفس الطريقة.
مش لأن الكلام صلح كل حاجة.
لكن لأنه جه متأخر.
متأخر أوي.
عدّى شهر.
وبعدين اتنين.
وماكلمتهاش.
مش عقاب.
بس كنت محتاجة أتعلم حاجة عمرى ما عرفتها
إزاي أحب حد من غير ما ألغي نفسي.
وفي صباح هادي من أيام الشتاء
جرس الباب رن.
فتحت.
ولقيت ريم.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
مافيش شنطة أوراق.
مافيش فواتير.
مافيش طلبات.
بس هي.
واقفة لوحدها.
وفي إيدها علبة صغيرة.
بصتلها ثواني.
ثم وسعت الباب.
دخلت بهدوء.
قعدنا قصاد بعض.
والصمت بينا كان تقيل.
لحد ما فتحت العلبة.
كانت فيها التورتة.
نفس التورتة.
شوكولاتة غامقة وفراولة.
زي اللي كنت جايباهالها يوم ما قالت الجملة اللي كسرتني.
إيدي اترعشت.
أما هي
فبدأت تعيط.
مش عياط جميل ولا مؤثر.
العياط الحقيقي.
اللي بيطلع من الندم.
قالت بصوت متقطع
فضلت طول السنة فاكرة إن المشكلة إنك موجودة زيادة.
بلعت ريقها بصعوبة.
وبعدين اكتشفت إن المشكلة كانت إني أنا اللي ماكنتش شايفة.
ما رديتش.
خليتها تكمل.
كل مرة وقعت فيها بعد ما مشيتي اكتشفت إن الشخص اللي كان شايلني طول الوقت كان إنتِ.
الدموع نزلت على وشها.
وأول مرة احتجت
سكتت شوية.
ثم قالت الجملة اللي كنت مستنياها من يومها
أنا آسفة يا ماما.
الكلمة علقت بينا.
بسيطة.
لكن وزنها سنين.
مديت إيدي ببطء.
مسكت إيدها.
ولأول مرة من شهور
هي اللي حضنتني.
مش عشان تاخد.
ولا عشان تطلب.
حضن بنت خافت إنها تكون خسرت أمها للأبد.
فضلت تعيط على كتفي.
وأنا مسحت على شعرها زي ما كنت بعمل وهي صغيرة.
ولأول مرة فهمت حاجة مهمة
المسامحة مش معناها إن الوجع اختفى.
المسامحة معناها إنك ماخليتش الوجع يبقى آخر فصل في الحكاية.
بعد سنة
كان عيد ميلادها ال.
المرة دي هي اللي خبطت على بابي.
وفي إيدها تورتة شوكولاتة وفراولة.
أول ما فتحت الباب ابتسمت وقالت
كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما.
ضحكت وقلت
ده عيد ميلادك إنتِ.
حضنتني وقالت
أيوة بس النهارده أنا اللي جايبة الهدية.
دخلنا سوا.
وقعدنا نضحك.
وحفيديّ التوأم كانوا بيجروا في الصالة ويكسروا هدوء البيت الجميل.
وفي لحظة وسط الدوشة دي كلها
بصيت لريم.
هي كبرت.
وأنا كبرت.
واتوجعنا.
واتعلمنا.
لكننا لسه هنا.
سوا.
وفي آخر الليل، بعد ما الكل مشي، لقيت على الترابيزة ظرف صغير.
فتحته.
كان فيه صورة قديمة لينا.
أنا وهي.
يوم تخرجها.
وعلى
أحسن هدية أخدتها في حياتي إنك فضلتي عايشة.
ساعتها ابتسمت وسط دموعي.
لأن بعض العلاقات بتضيع طريقها أحيانًا
لكن لو كان فيها حب حقيقي من البداية،
ممكن تلاقي طريق الرجوع من جديد.
تمت