مراتي متوفية بقالها خمس سنين
ناحية الباب، لكن مريم مسكتني بكل قوتها.
لا يا رامي ده عايزك تتهور.
مش هسيبه يهدد بنتي!
أول مرة أقولها.
بنتي.
ولما قلتها
ليلى بصتلي بنظرة صغيرة هزت قلبي كله.
لكن فجأة
الموبايل اللي على الترابيزة نوّر.
رسالة وصلت من رقم مجهول.
فتحتها بسرعة.
وكان فيها صورة.
صورتي أنا
واقف قدام البيت من شوية.
وتحتها رسالة قصيرة
أنت اتأخرت خمس سنين يا رامي لكن لسه في وقت تنقذها.
ورنة خفيفة طلعت من أوضة جوه.
مريم اتجمدت.
بصتلها
إيه الصوت ده؟
قالت بخوف
ماينفعش تدخل الأوضة دي.
لكن الصوت اتكرر.
رنّة موبايل.
من جوه غرفة مقفولة بالمفتاح.
وفي اللحظة دي
صوت الراجل برا البيت ضحك.
وقال
واضح إنه سمع الموبايل افتحيله الأوضة يا مريم. خليه يعرف مين اللي كان عايش هناك طول الوقت بصيت لمريم.
كانت واقفة قدام باب الأوضة كأنها بتحميه بجسمها.
وشها شاحب وعينيها مليانة رعب عمري ما شوفته فيها قبل كده.
قلت بحدة
مين جوه؟
هزت راسها بسرعة
مفيش حد.
رنّ الموبايل تاني.
المرة دي أوضح.
أكيد في حد جوه.
والراجل اللي برا خبط على الباب بعنف فجأة
يلا يا مريم! كفاية كدب!
ليلى بدأت تعيط.
وأنا حسيت إن أعصابي خلاص هتنفجر.
زقيت الباب الخشب بإيدي.
مريم حاولت تمنعني وهي بتصرخ
رامي لأ!
لكن الباب كان قديم.
اتفتح بعنف.
والأوضة كانت ضلمة
ريحة دواء ورطوبة.
وفي ركن بعيد
كان فيه سرير.
وعليه راجل عجوز مربوط بأحزمة طبية.
عينه مفتوحة بصعوبة.
ووشه هزيل جدًا.
لكن أول ما شوفته
رجلي ما بقتش شايلاني.
لأن الراجل ده
كان أبويا.
اتراجعت خطوة وأنا مش مصدق.
مستحيل
أبويا مات.
أنا حضرت عزاه بإيديا.
دفنّاه.
كل الناس عزّتنا فيه.
قربت أكتر.
الراجل رفع عينه ناحيتي بالعافية.
وشفايفه اتحركت بصوت مبحوح
رامي
مريم كانت بتعيط ورايا.
وقالت
ماعرفتش أقولك.
لفّيتلها بصدمة وغضب
إنتي مخبية أبويا عندك؟!
صرخت
ماكنش عندي اختيار!
وفجأة
صوت كسر جامد دوّى في البيت.
الشباك الأمامي اتحطم.
ودخل منه ضوء كشاف قوي.
وصوت حسام زعق
خلص وقت الحكايات!
سحبت ليلى بسرعة لحضني.
وفي نفس اللحظة
أبويا رفع إيده المرتعشة ناحيتي.
وكان ماسك حاجة صغيرة.
فلاشة.
وقال بالعافية
الحقيقة كلها هنا
لكن قبل ما يكمل
دوّى صوت طلقة نار برا البيت.
وبعدين انطفى نور الفنار فجأة
والبيت كله غرق في ظلام مرعب الظلام بلع المكان كله.
ليلى صرخت بخوف واتعلقت في رقبتي.
ومريم جريت قفلت باب الأوضة بسرعة وهي بتنهج.
برا صوت البحر كان عالي بشكل مرعب.
وصوت خطوات حوالين البيت.
مش شخص واحد
أكتر من واحد.
حسام ماكنش لوحده.
شدّيت الفلاشة من إيد أبويا.
وكانت إيده ساقعة بشكل مخيف.
بصلي بعينين مليانين ندم لأول مرة في حياتي.
وقال بصوت متقطع
أنا آسف.
الكلمة نزلت عليا تقيلة.
أبويا عمره ما اعتذر عن أي حاجة.
حتى وأنا طفل.
لكن قبل ما أتكلم
اتسمع صوت ارتطام جامد على الباب الخارجي.
مرة.
واتنين.
وثلاثة.
البيت كله اتهز.
مريم همست وهي بترتعش
هيكسروا الباب.
بصيت حواليّا بسرعة.
مافيش غير مخرج واحد
شباك خلفي بيطل على البحر مباشرة.
لكن المشكلة إن البيت فوق منحدر صخري.
أي غلطة موت.
وفجأة
أبويا مسك دراعي بقوة مفاجئة.
وقال
سيبني.
بصيتله مصدوم.
إيه؟
خدهم واهرب.
مريم دموعها
لا مش هنسيبك.
ضحك أبويا ضحكة مكسورة.
أنا السبب في كل ده.
صوت الباب برا اتكسر جزء منه.
ونور كشاف دخل من الفتحة.
وصوت حسام جه أوضح
رامي! سلّم الفلاشة وأنا همشي.
رفعت صوتي
إيه اللي عليها؟!
ضحك حسام.
حاجات تخليك تفهم إن اللي مات من خمس سنين ماكانش الشخص اللي فاكره.
حسيت الأرض بتميد بيا.
بصيت لأبويا.
لكن ملامحه اتقفلت فجأة.
كأنه خاف أقول الحقيقة.
وفي ثانية
الكهربا رجعت.
النور ضرب الأوضة كلها.
ولحظة النور دي كانت كفاية أشوف حاجة جمدت الدم في عروقي.
صورة قديمة على الكومود.
أنا ومريم
وبيننا طفل صغير.
ولد.
عمره يمكن سنة.
حدقت في الصورة بعدم فهم.
التقطتها بسرعة.
وقلت بصوت مخنوق
مين ده؟!
مريم شهقت.
وحاولت تاخد الصورة من إيدي.
لكن حسام برا البيت صرخ فجأة
آه واضح إنه شاف صورة آدم أخيرًا.
قلبي وقف.
آدم؟!
بصيت لمريم.
وشها انهار تمامًا.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت طفل صغير جاي من فوق السطح.
طفل بيجري
وبيضحك الضحكة كانت قريبة جدًا
قريبة بشكل مستحيل.
رفعت عيني للسقف وأنا حاسس إن عقلي خلاص مبقاش قادر يستوعب أي حاجة.
ليلى استخبت ورا مريم وهي بتعيط
ماما آدم نزل تاني؟
الاسم خبط جوايا بعنف.
بصيت لمريم بذهول.
آدم مين؟!
مريم قعدت على الأرض كأن رجليها ماعادوش شايلينها.
وقالت بصوت مكسور
ابننا.
الدنيا سكتت.
حتى صوت البحر اختفى لحظة.
قلت وأنا مش قادر أتنفس
إحنا كان عندنا ابن؟
دموعها نزلت بصمت.
كنت حامل في توأم يا رامي ولد وبنت.
إيدي كانت بتترعش.
ليلى.
وآدم.
طفلين من دمي وأنا ماعرفش عنهم حاجة.
لكن فين آدم؟!
قبل ما تسأل شفايفي
صوت
وبعدين
صوت طفل صغير قال
ماما في رجالة برا.
جريت ناحية السلم الخشبي المؤدي للسطح.
فتحت الباب بسرعة.
ولقيته.
ولد صغير واقف تحت المطر.
لابس جاكيت أكبر من حجمه.
وعينيه
نفس عيني.
بصلي بخوف شديد.
وقال
إنت هتزعلنا؟
ركعت قدامه فورًا.
وحسيت قلبي بيتقطع.
حضنته بقوة.
وهو متجمد من البرد.
أما أنا
فكنت ببكي.
ببكي على خمس سنين ضاعوا.
خمس سنين اتحرمت فيهم من ولادي.
وفجأة
دوّى صوت طلقة نار.
الرصاصة خبطت جنب الباب الحديد.
حسام ورجالته دخلوا البيت أخيرًا.
نزلت بسرعة وأنا شايل آدم.
ولقيت حسام واقف بالنص، ماسك سلاحه.
وباصص لأبويا المربوط على السرير.
وقال ببرود
المفروض الراجل ده كان يموت من زمان.
لكن أبويا رفع عينه ناحيته
ولأول مرة شفت فيه شجاعة حقيقية.
قال
انتهى دورك يا حسام.
ورفع بإيده المرتعشة ريموت صغير.
وضغط الزر.
وفجأة
أصوات سرينات شرطة دوّت برا البيت.
أنوار زرقا وحمرا غطت المكان كله.
حسام اتصدم
إنت بلغت عني؟!
أبويا ضحك بتعب.
وقال
الفلاشة وصلت للشرطة من ساعة ما دخل رامي البيت.
حسام حاول يهرب.
لكن الشرطة كانت دخلت بالفعل.
وفي ثواني، اتقبض عليه هو ورجالته.
والهدوء رجع للمكان أخيرًا.
مريم كانت واقفة تبكي.
وأنا واقف قدامها، شايل آدم، وليلى متعلقة في إيدي.
بصتلها طويل.
في عينيها خوف وذنب وحب قديم عمره ما مات.
قالت بصوت مهزوز
عارفة إنك ممكن ماتسامحنيش.
بصيت لولادي.
وبعدين ليها.
وقلت بهدوء
إحنا
ضيعنا سنين مش هضيع اللي باقي.
انهارت في العياط.
وقربت مني ببطء.
وأول ما حضنتني
حسيت إن قلبي أخيرًا رجع
أما أبويا
فبص لنا بابتسامة صغيرة.
مرهقة.
مليانة ندم.
وبعدها بثواني
غمض عينيه للمرة الأخيرة.
لكن المرة دي
ماكانش فيه كدب.
ولا نعش مقفول.
ولا أسرار.
بس نهاية رجل حاول يصلح غلطه متأخر
وبداية عيلة رجعت للحياة بعد ما كانت مدفونة وهي عايشة.