زوجوها مقابل دين
فوق البغلة.
وزهراء تمشي بجانبه، وثوبها ملطخ بآثار دم جاف وثلج ذائب.
شوفوا السمينة خرّبت الأصم أخيرًا قال رجل وهو يضحك.
وانطلقت ضحكات متقطعة.
توقفت زهراء.
في السابق كانت ستخفض رأسها.
لكن ليس هذه المرة.
ابتعدوا عن الطريق.
خرج صوتها ثابتًا بشكل فاجأ حتى نفسها.
ضحك رجل آخر.
وإذا ما ابتعدنا؟
رفع حيدر رأسه ببطء.
فتح فمه بصعوبة.
ثم قال بصوت مبحوح
ابتعدوا.
وسقط الصمت فوق المكان كالحجر.
تراجع الرجال خطوة كاملة.
ليس بسبب قوة صوته
بل لأنهم سمعوه أصلًا.
لأول مرة منذ عشرين سنة، الوحش تكلم.
خرج الحاج أنس من باب الجمعية الزراعية، مرتديًا معطفًا صوفيًا وعصًا فضية.
اتجهت عيناه مباشرة نحو أذن حيدر.
ثم نحو يد زهراء المغلقة حول علبة الكبريت.
وفي تلك اللحظة، اختفى بعض اللون من وجهه.
ماذا فعلتِ به يا بنت؟
قالها ببرود، لكن صوته لم يكن ثابتًا تمامًا.
رفعت زهراء ذقنها.
أخرجتُ الشيء الذي دفنتموه داخل رأسه.
تجمّدت الساحة.
وفي نفس اللحظة، ظهر الطبيب فؤاد من خلف الصيدلية الصغيرة.
كان نحيفًا، شاحبًا، ويداه ترتجفان.
هذا اتهام خطير.
فتحت زهراء علبة الكبريت.
وأظهرت قطعة النحاس.
تراجع الطبيب خطوة صغيرة.
صغيرة جدًا
لكنها كانت كافية.
ابتسم الحاج أنس ابتسامة باردة.
قطعة نحاس لا تثبت شيئًا. حيدر كان مريضًا منذ صغره. وأنتِ دائمًا كنتِ تحبين اختلاق القصص حتى يلتفت الناس إليكِ.
آلمتها الجملة.
لأنها كانت تعرف جيدًا
لكنها الآن امتلكت شيئًا أقوى من الجمال.
امتلكت الحقيقة.
إذًا سنذهب لطبيب خارج القرية.
اقترب الحاج أنس منها خطوة.
لا تملكين المال.
ابتسمت زهراء لأول مرة منذ أيام.
أملك بغلة.
ضحك بعض الرجال، لكن ضحكتهم هذه المرة لم تكن مرتاحة.
بل متوترة.
وفجأة خرج صوت امرأة من طرف السوق
وأنا سأساعدها.
التفت الجميع.
كانت أم سلمان، القابلة العجوز التي تبيع الأعشاب والأدوية الشعبية قرب السوق.
كثيرون كانوا يطرقون بابها عندما يفشل الطبيب
لكن أحدًا لم يكن يسمح لها بالجلوس معهم.
اقتربت من حيدر.
نظرت إلى أذنه.
ثم شمّت رائحة الجرح.
هذه ليست لعنة هذه يد بشر.
احمرّ وجه الطبيب فؤاد.
اخرسي أيتها العجوز المجنونة.
لكنها تجاهلته تمامًا.
ابن أختي سينزل غدًا إلى دهوك. ومن هناك يمكنكم الوصول إلى المدينة. إذا تأخرتم قد يموت.
لم تنتظر زهراء أكثر.
في نفس العصر غادروا القرية مع أم سلمان، وشاب اسمه ريبين كان يعرف طرق الجبال المغطاة بالثلج.
مرّوا بممرات ضيقة كانت الريح تعضّ الوجوه فيها كالسكاكين.
وفي الليل كانوا ينامون داخل بيوت طينية صغيرة، يأكلون الخبز اليابس والجبن والشاي الثقيل.
وكان حيدر يزداد سوءًا.
أحيانًا يسمع همسات بعيدة.
وأحيانًا لا يسمع شيئًا.
وأحيانًا يمسك رأسه ويرتجف كأنه يرى شيئًا غير موجود.
كانت زهراء تنظف الجرح بصبر، وتتكلم معه ببطء، وتعلّمه الأصوات من جديد.
هذا صوت
يغلق عينيه.
الريح.
وهذا صوت النار.
النار.
وهذا صوتي أنا.
كان ينظر إليها وكأن صوتها شيء يولد أمامه لأول مرة.
زهراء.
وفي كل مرة ينطق اسمها، كانت تشعر أن العالم يعيد إليها شيئًا سُرق منها منذ زمن طويل.
وصلوا إلى دهوك بعد ثلاثة أيام.
المدينة كانت تفوح منها رائحة الخبز والقهوة والدخان والبرد.
الناس يركضون في الأسواق، والسيارات تمر وسط الضباب، والجبال تحيط بالمكان من كل جهة.
فحص طبيب هناك أذن حيدر.
ظل صامتًا طويلًا.
ثم نظر إلى زهراء بجدية.
هذا الرجل لم يولد أصمًّا.
شعرت أن ساقيها فقدتا قوتهما.
هل يمكن أن يشفى؟
تنهد الطبيب.
لا أعرف كم سيستعيد من سمعه. هناك ضرر قديم جدًا لكن توجد أيضًا التهابات وأجسام غريبة داخل الأذن. وإذا أجرينا عملية بسرعة، ربما يستعيد جزءًا من السمع.
ثم رفع قطعة النحاس بالملقط.
وهذا لم يدخل وحده.
كتب الطبيب تقريرًا كاملاً.
مختومًا.
وموقعًا.
بكلمات لن تستطيع القرية تحويلها إلى إشاعات.
وضعت زهراء التقرير داخل ملابسها.
نظر إليها حيدر.
خطر.
أعرف.
لا يجب عليكِ
قاطعتْه بهدوء.
بل يجب.
هز رأسه ببطء.
ليس من أجلي فقط؟
اقتربت منه.
وفكرت بكل الفتيات اللواتي تعلمن خفض رؤوسهن داخل سوران.
وبكل النساء اللواتي استُخدمن لسداد الديون.
وبكل الرجال الفقراء الذين حوّلوهم إلى وحوش حتى يبقى الوحوش الحقيقيون فوق الجميع.
ثم قالت
من أجلي أنا أيضًا.
كانت العملية طويلة.
رائحة المعقمات
لم يعرض عليها أحد قهوة.
ولم ينظر إليها أحد كأنها امرأة مهمة.
لكن ذلك لم يعد يعنيها.
لأول مرة في حياتها، شعرت أنها تقف في المكان الصحيح.
خرج حيدر بعد ساعات طويلة، ورأسه ملفوف بالشاش الأبيض.
قال الطبيب إن جزءًا من سمعه قد يعود.
ربما يسمع الأصوات.
ربما الكلمات.
وربما لن يعود كل شيء كما كان.
لكن الألم سيتوقف.
والالتهاب سينتهي.
وقطعة النحاس؟ سألت زهراء.
نظر إليها الطبيب بجدية.
وجدنا قطعًا أخرى صغيرة داخل الأذن. بعضها متآكل من النحاس. هذا لم يكن حادثًا أحدهم فعل هذا به عمدًا منذ سنوات طويلة.
شعرت زهراء ببرودة تمر داخل جسدها رغم دفء المستشفى.
فكرت بالحاج أنس.
وبالطبيب فؤاد.
وبكل الضحكات التي ملأت الكنيسة يوم زفافها.
ثم سألها الطبيب
هل تريدون تقديم شكوى؟
نظرت إلى حيدر.
كان نصف نائم بسبب الدواء، لكن عينيه كانتا مفتوحتين قليلًا، كأنه يخشى أن ينام ويستيقظ داخل ذلك الصمت القديم مرة أخرى.
نعم قالت بهدوء نريد.
في الليل استيقظ حيدر.
كانت زهراء نائمة على الكرسي قربه، ورأسها مائل نحو الجدار.
رفع يده ببطء ولمس طرف البطانية التي تغطيها.
زهراء.
استيقظت فورًا.
هل تتألم؟
ظل صامتًا للحظة.
ثم نظر نحو النافذة.
كانت هناك أصوات بعيدة تأتي من الشارع.
سيارة تمر.
رجل يضحك.
كلب ينبح.
ثم
صوت أذان بعيد جدًا.
ارتجفت شفتاه.
هذا؟
نظرت إليه زهراء.
الأذان.
أغمض عينيه.
وبكى.
بكت هي أيضًا.
وعندما عادوا إلى سوران، لم يعودوا