كنت واقفه في المطبخ
فوق السطح، والجيران طلعوا يباركوا، وأنا لأول مرة من شهور حسيت إن الدنيا بتفتح باب جديد.
صور الأولاد انتشرت على صفحة المدرسة، ومديرة المدرسة بنفسها كلمتني وقالت
ولادك موهوبين جداً لازم يشاركوا في مسابقات أكبر.
وفي نفس الوقت كان محمود بيبدأ يحس بالفراغ.
البيت عنده بقى ساكت.
مفيش صوت مريم وهي بتذاكر بصوت عالي، ولا مازن وهو بيحكي عن تجاربه العلمية، ولا حتى صوتي وأنا بخبط بالمواعين في المطبخ.
راح يشوفنا أكتر من مرة.
كان يجيب فاكهة أو حلويات، والأولاد يستقبلوه باحترام، لكن في مسافة كبيرة اتبنت.
وفي مرة، شاف مازن بيذاكر تحت لمبة صغيرة، فسأله
محتاج حاجة يا حبيبي؟
مازن ابتسم وقال
لا يا بابا ماما موفرالنا كل حاجة.
الجملة كانت
ومع الوقت، بدأ يشوف الحقيقة اللي كان غافل عنها.
إن الوقفة جنب الناس عمرها ما تكون على حساب بيتك وولادك.
أما علام فكان أكتر واحد متأثر.
الولد كان حاسس بالذنب طول الوقت.
وفي يوم جه عندي لوحده وقال
يا طنط وفاء أنا مكنتش عايز أسبب مشاكل.
ربتّ على كتفه وقلت له
إنت مالكش ذنب يا ابني.
ومن يومها، بقى يزور إخواته كل أسبوع، ويذاكر مع مازن، ومريم تساعده في الإنجليزي.
السنين عدت بسرعة.
ومع تعب كبير، قدرت أفتح ورشة خياطة صغيرة.
بقت عندي تلات بنات بيشتغلوا معايا، والحاجة زينب كانت تقعد على الكرسي قدام المحل كأنها الحارس الرسمي للمكان.
وفي يوم من الأيام، حصلت المفاجأة الكبيرة.
مازن اتكرم على مستوى الجمهورية
أما مريم، فبقت من أوائل الثانوية العامة.
يوم التكريم كان القاعة مليانة ناس.
وأنا قاعدة في آخر صف، لابسة عباية بسيطة، وقلبي بيدق من الفرحة.
المذيع نادى
والدة الطالبين المتفوقين الأستاذة وفاء.
قومت وسط تصفيق الناس، ورجلي كانت بتترعش.
مازن مسك الميكروفون وقال قدام الكل
أمي علمتنا إن الإنسان ممكن يبدأ من الصفر بس عمره ما يستسلم.
القاعة كلها سقفت.
وأنا وقتها بصيت ناحية محمود.
كان واقف بعيد، وعينه مليانة دموع وفخر وندم في نفس اللحظة.
بعد الحفلة قرب مني وقال بهدوء
أنا كنت فاكر إني بعمل الصح بس اكتشفت متأخر إن العدل لازم يبدأ من البيت.
بصيت له وسكت شوية.
ثم قلت
إحنا كلنا بنتعلم يا محمود.
محمود بدأ بعدها يحاول يصلح اللي فات، مش بالكلام بالأفعال.
بقى موجود في نجاحات عياله، يساعدهم، ويساندهم، ويقف جنبهم من غير ما يقلل من حد.
وعلام كمان كبر وبقى شاب محترم، واتخرج بتفوق، وأول مرتب أخده اشترى شنط جديدة لمازن ومريم رغم إنهم كانوا خلاص في الجامعة.
وقال وهو بيضحك
الشنط دي متأخرة شوية بس كان نفسي أجيبها من زمان.
وضحكنا كلنا.
وفي ليلة هادية، بعد سنين طويلة من التعب، كنت قاعدة قدام محل الخياطة بتاعي، ومازن ومريم جنب مني، والحاجة زينب بتشرب شاي، ومحمود واقف يساعد العمال يقفلوا المحل.
بصيت للشارع وللنور ولأولادي وحسيت إن ربنا عمره ما بيضيع تعب حد.
مكنتش الرحلة سهلة.
بس النهاية كانت تستاهل كل خطوة.
لأن الكرامة لما تتمسك